التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠ - وقفة عند خطبة الأشباح
اللّه سبحانه على قدر عقلك فتكون من الهالكين»[١].
هذه الخطبة من جلائل الخطب و أعلاها سندا، فلا مغمز في صحّة إسنادها، إنّما الكلام في فحوى المراد منها.
و قد أجمع شرّاح النهج[٢] على أنّ المراد بهذا الكلام هي الصفات العليا التي وصف اللّه بها نفسه، لا يعرف كنهها و لا جهة اتّصاف الذات المقدّسة بها، كما لا يعرف كنه الذات و لا طريق إلى معرفته، و بالأحرى لا طريق إلى معرفة الصفات.
و في كلامه عليه السّلام إشارة إلى ذلك، حيث قال: «فما دلّك القرآن من صفته فائتمّ به، و ما كلّفك الشيطان علمه ممّا ليس في الكتاب عليك فخرضه و لا في سنّة النبي صلّى اللّه عليه و اله و أئمة الهدى أثره فكل علمه إلى اللّه سبحانه، فإنّ ذلك منتهى حقّ اللّه عليك».
و من ثمّ قالوا: الصفات توقيفيّة، لا يجوز وصفه تعالى بصفة إلّا ما وصف اللّه به نفسه؛ إذ من وظيفة المؤمن أن يقف عند ذلك و لا يتجاوزه، فقولنا: سميع بصير، حيّ قيّوم، رحمان رحيم، حكيم عليم .. إلى آخره، متابعة مع نصّ الوحي من غير أن نتكلّف الولوج في معرفة كنه هذه الصفات المنسوبة إلى اللّه تعالى، أو الأخذ بالقياس على صفات المخلوقين، إذ ليس كمثله شيء، و إنّما غاية معرفتنا بهذه الصفات هو الأصل القائل: (خذ الغايات و دع المبادئ).
إنّه تعالى يسمع نجواكم، أمّا كيف يسمع؟ فهذا ما لا يمكننا تصوّره، فكيف بتعقّله!
اذن فلا مساس لقوله عليه السّلام لجانب متشابهات الآيات فيما عدا الصفات، و التي لا ينبغي الجهل بها لذوي العلم و الفقه في الدين.
قال ابن أبي الحديد: «إنّ من الناس من وقف على قوله: إِلَّا اللَّهُ، و منهم من
[١] . نهج البلاغة: خطبة الأشباح الرقم ٩١، بحار الأنوار ٤: ٢٧٧.
[٢] . راجع: منهاج البراعة للراوندي ١: ٣٨٢، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٦: ٤٠٤، شرح نهج البلاغة لابن ميثم ٢: ٣٣٠، المنهاج للخوئي ٦: ٣١٠.