التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١ - وقفة عند خطبة الأشباح
لم يقف، و هذا القول أقوى من الأوّل؛ لأنّه إذا كان لا يعلم تأويل المتشابه إلّا اللّه، لم يكن في إنزاله و مخاطبة المكلّفين به فائدة، بل يكون كخطاب العربي بالزنجية، و معلوم أنّ ذلك عيب قبيح»[١].
و يتأيّد هذا الاحتمال الذي ذكره الشرّاح بأنّ أصحاب الغيّ و الفساد إنّما يتتبّعون آيات الصفات، و التي يمكن فيها النقاش و الجدال و اللجج، فيكون النهي اللاذع موجّها إليهم بالذات، و هم أهل جدل و عناد، و كان الأمر في بدايته يومذاك[٢].
أمّا المتعمّقون النابهون من أصحاب العقول الكبيرة ممّن سمح بهم الدهر فيما بعد، و ازدهرت بهم الأيّام في مستقبل العصور، فالمجال لهم واسع لمعرفة حقائق الكتاب، و الكشف عن خباياه خطوة بعد أخرى، و هكذا على مرّ الدهور.
روى ثقة الإسلام الكليني بإسناده الصحيح إلى النضر بن سويد، عن عاصم بن حميد، قال: سئل الإمام علي بن الحسين عليه السّلام عن التوحيد، فقال: «إنّ اللّه عزّ و جلّ علم أنّه يكون في آخر الزمان أقوام متعمّقون، فأنزل اللّه تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ...
و الآيات من سورة الحديد إلى قوله: وَ هُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ فمن رام وراء ذلك فقد هلك ...»[٣].
انظر إلى هذه الدقّة في التعبير: «إنّ اللّه عزّ و جلّ علم أنّه يكون في آخر الزمان أقوام متعمقون»!!
[١] . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٦: ٤٠٤.
[٢] . حيث بدأ ظهور المذاهب الكلاميّة و اختلاف الآراء في سرّ الخليقة و فلسفة الوجود.
[٣] . الكافي ١: ٣٢٠ حديث ٣. و الآيات من سورة الحديد هي: سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يُحْيِي وَ يُمِيتُ وَ هُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَ ما يَخْرُجُ مِنْها وَ ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَ ما يَعْرُجُ فِيها وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ* لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ* يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَ يُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَ هُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ستّ آيات.