التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٣ - الفائدة و الهدف المرجو من هذا البحث و منهجه
لم يتزوّج و لم ينجب[١].
و كان الاحتفال العظيم بتحقّق المعجزة بميلاد يحيى، و البشرى التي بلّغها زكريّا لقومه الذين كانوا في انتظار لها، كما يتّضح من الآية: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَ عَشِيًّا.
فالقضيّة إذن لم تكن تخصّ زكريّا وحده، و إنّما تخصّ كلّ القوم و الأتباع من اليهود، و هذا أيضا يؤكّد ما ذهبنا إليه قبلا من أنّه لم يكن هناك وريث للنبوّة في بيت آخر غير بيت زكريّا.
و بينا كان يحيى يبلّغ رسالته، نجد الأتباع من اليهود- و هم القوم الناكرون الجاحدون- يتآمرون عليه، و تنتهي حياة يحيى النهاية المأسويّة المعروفة، دون أن يتزوّج أو ينجب الوريث، و تصل الأزمة إلى ذروتها؛ أزمة حقيقيّة لا مثيل لها من قبل، حيث انتهى النسل الموعود بميراث النبوّة بموت سيّدنا يحيى .. إلّا من آخر النسل، و لكن و في هذه المرّة يكون آخر النسل امرأة، امرأة تقيّة ورعة، عذراء بكر، مرعيّة من قبل اللّه عزّ و جلّ، للحكمة التي من أجلها بقيت كآخر ما تبقّى من نسل إبراهيم.
أصبحت شجرة النبوّة مجدّدا في أزمة حقيقيّة، لم يسبق أن توافق لها وجود مأزق كهذا، و ما كان اللّه ليخلف وعده عبده إبراهيم، و لم تكن النبوّة لتوهب لأحد من النساء، فهذا ناموس اللّه، و إلّا لكانت مريم أحقّ من توهبها، و هي نهاية العقد الفريد في سلسلة الأنبياء من نسل يعقوب، بعد أن انتهت السلالة من الذكور بموت زكريا، و مقتل يحيى دون إنجاب الوريث.
و كانت المعجزة الكبرى، لأنّ اللّه ما كان ليترك نسل يعقوب و لا يرسل نبيّا بعد إلّا فيهم، و لمّا كانت النبوّة في الإناث محالة، فقد اختارها اللّه سبحانه و تعالى و هي
[١] . انظر تفسير الجلالين ١: ١٣- ١٤.