التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٥ - ما قيل في حل تلك الرموز
لأنّه ليس بكلام البشر، و أنّه كلام خالق القوى و القدر.
ثمّ أخذ في ترجيح هذا القول على الوجه الأوّل، قال: «و هذا القول من القوّة و الخلاقة بالقبول[١] بمنزل، و لناصره على الأوّل أن يقول: إنّ القرآن إنّما نزل بلسان العرب، مصبوبا في أساليبه و استعمالاتهم، و العرب لم تتجاوز فيما سمّوا به مجموع اسمين، و لم يسمّ أحد منهم بمجموع ثلاثة أسماء و أربعة و خمسة. و القول بأنّها أسماء السور حقيقة، يخرج إلى ما ليس في لغة العرب، و يؤدّي أيضا إلى صيرورة الاسم و المسمّى واحدا». و عقّبه باعتراضات و أجوبة لا تخلو من طرافة[٢].
قلت: و للّه درّه في نعته هذا الجميل لجانب إعجاز القرآن الكريم، و هو كما قال الإمام أحمد بن المنير الاسكندري في الشرح: «غاية في الصناعة، و نهاية في البراعة»[٣].
الوجه الثالث: أن ترد السورة مصدّرة بذلك، ليكون أوّل ما يقرع الأسماع مستقلّا بوجه من الإعراب، و تقدمة من دلائل الإعجاز. و ذلك أنّ النطق بالحروف أنفسها، كانت العرب فيه مستوية الأقدام، الأمّيّون منهم و أهل الكتاب، بخلاف النطق بأسامي الحروف، فإنّه كان مختصّا بمن خطّ و قرأ و خالط أهل الكتاب و تعلّم منهم.
و كان مستغربا مستبعدا من الأمّي التكلّم بها، استبعاد الخطّ و التلاوة، كما قال عزّ و جلّ: وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ[٤].
فكان حكم النطق بذلك- مع اشتهار أنّه لم يكن ممّن اقتبس شيئا من أهله- حكم الأقاصيص المذكورة في القرآن، التي لم تكن قريش و من دان بدينها في شيء من الإحاطة بها، في أنّ ذلك حاصل له من جهة الوحي، و شاهد بصحّة نبوّته، و بمنزلة
[١] . الخلاقة: الجدارة و اللياقة.
[٢] . الكشاف ١: ٢٧- ٢٨.
[٣] . المصدر: ٢٧، في الهامش رقم ٣.
[٤] . العنكبوت ٢٩: ٤٨.