التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥ - لماذا في القرآن من متشابه؟
أمّا كونه ذات عين خارج الذهن و ملموسا بالحسّ كما حسبه ابن تيمية، أو ذات عين بسيطة خارج الألفاظ و المفاهيم كما تصوّره سيّدنا العلّامة الطباطبائي، فهذا و ذاك قد يبدوان غريبين عن المتفاهم المألوف لدى السلف و الخلف. و سيوافيك الكلام عن ذلك.
لماذا في القرآن من متشابه؟
يعود ذلك إلى طبيعة لغة العرب، حيث إنّها ذات أوضاع ضيّقة النطاق، لا تفي بإفادة المفاهيم الراقية و المتّسعة سعة الآفاق، فجاءت التعابير القرآنية- في مثل هذه المعاني- مستعارا فيها، و بضرب من التشبيه و التمثيل، ليأخذ القاصر بظاهر التعبير، و ربّما يتغافل عن واقع المراد.
على أنّ هناك لمّة وافرة من متشابهات عرض لها التشابه فيما بعد، و على أثر تزاحم الجدل العقائدي بين أرباب المذاهب الكلاميّة في القرنين الثاني و الثالث، في حين أنّها كانت ناصعة جليّة المفاد من ذي قبل.
فمثلا قوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ[١] جار وفق أساليب العرب في التكنية عن شدّة الأمر و أخذ الجدّ فيه، بالتشمير عن الساق، قال قائلهم:
|
و قامت الحرب بنا على ساق[٢] |
يريد: شدّة سعارها و حدّة أوارها، كما قال ابن عبّاس في تفسير الآية: «هي كناية عن كرب و شدّة و هول المطّلع في ذلك اليوم العصيب»[٣]. و هكذا فسّرها قتادة
[١] . القلم ٦٨: ٤٢.
[٢] . تمامه:
|
... |
اصبر عناق إنّه شرّ باق |
|
|
قد سنّ لي قومك ضرب العناق |
و قامت الحرب بنا على ساق |
|
[٣] . راجع: الكشف و البيان للثعلبي ١٠: ١٨، تفسير ابن أبي حاتم ١٠: ٣٣٦٦، تفسير البغوي ٥: ١٣٩.