التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٤ - خلاصة القول في التفسير بالرأي
وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ[١]، سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ[٢].
و هذا هو الذي دعا بالنابهين أن لا يقتصروا على الفهم المتعارف لمعاني الآيات الكريمة، و أجازوا لأنفسهم الاعتماد- لإدراك حقائق القرآن- على البحث و النظر و الاجتهاد.
و ذلك على وجهين: إمّا بحثا علميّا أو فلسفيّا أو غيرهما، للوصول إلى مراده تعالى في آية من الآيات؛ و ذلك بعرض الآية على ما توصّل إليه العلم أو الفلسفة من نظريّات أو فرضيّات مقطوع بها، و ربّما المظنون منها ظنّا راجحا، و هذه طريقة يرفضها ملامح القرآن الكريم.
و إمّا بمراجعة ذات القرآن، و استيضاح فحوى آية من نظيرتها، و بالتدبّر في نفس القرآن الكريم؛ فإنّ القرآن ينطق بعضه ببعض، و يشهد بعضه على بعض، كما قال عليّ عليه السّلام.
قال تعالى: وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ[٣]، و حاشا القرآن أن يكون تبيانا لكلّ شيء و لا يكون تبيانا لنفسه، و قد نزل القرآن ليكون هدى للناس و نورا مبينا و بيّنة و فرقانا، فكيف لا يكون هاديا للناس إلى معالمه، و مرشدا لهم على دلائله؟! و قد قال تعالى: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا[٤]، و أيّ جهاد أعظم من بذل الجهد في سبيل فهم كتاب اللّه، و استنباط معانيه و استخراج لآلئه. نعم، القرآن هو أهدى سبيل إلى نفسه، لا شيء أهدى منه إليه. و هذه هي الطريقة التي سلكها النبيّ و عترته الأطهار صلوات اللّه عليهم في تفسير القرآن و الكشف عن حقائقه- على ما وصل إلينا من دلائلهم في التفسير- و لا يوجد مورد واحد استندوا
[١] . الأنعام ٦: ١٠٣.
[٢] . الصّافّات ٣٧: ١٥٩.
[٣] . النحل ١٦: ٨٩.
[٤] . العنكبوت ٢٩: ٦٩.