المتبقي من تراث ابن قِـبَـة الرازيّ - أبي جعفر محمّد بن عبد الرحمن بن قِبَـة الرازيّ - الصفحة ١٥٣ - ثانيًا حديث المنزلة
والآخر: نفيٌ لأن يكون نبيًا بعده.
ووجدنا نفيه أن يكون علي علیه السلام نبيًا بعده دليلًا على أنّه لو لم ينف ذلك لجاز لمتوهم أن يتوهم أنه نبي بعده؛ لأنّه قال فيه: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى)، وقد كان هارون نبيًا، فلمّا كان نفيُ النبوةِ لا بدّ منه، وجب أن يكون نفيُها عن علي علیه السلام في الوقت الذي جَعَلَ الفضيلة والمنزلة له فيه؛ لأنّه من أجل[٣٩٨] الفضيلة والمنزلة ما احتاج (ص) أن ينفي أن يكون علي علیه السلام نبيًا؛ لأنّه لو لم يقل له: (إنه مني بمنزلة هارون من موسى)، لم يحتج إلى أن يقول: (إلّا أنه لا نبيّ بعدي)، فلمّا كان نفيه النبوة إنّما كان هو لعلّة الفضيلة والمنزلة التي توجب النبوة وجب أن يكون نفيُ النبوة عن علي علیه السلام في الوقت الذي جَعَلَ الفضيلة له فيه، ممّا[٣٩٩] جعل له من منزلة هارون، ولو كان النبيّ (ص) إنّما نفى النبوةَ بعده في وقتٍ -والوقت الذي بعده عند مخالفينا- لم يجعل لعلي فيه منزلة توجب له نبوة؛ لأنّ ذلك من لغو الكلام، ولأنّ استثناء النبوة إنما وقع بعد الوفاة، والمنزلة التي توجب النبوة في حال الحياة التي لم تنتف النبوة فيها، فلو كان استثناء النبوة بعد الوفاة مع وجوب الفضيلة والمنزلة في حال الحياة لوجب أن يكون نبيًا في حياته، ففسد ذلك ووجب أن يكون استثناء النبوة إنما يكون هو في الوقت الذي جعل النبيّ (ص) لعلي علیه السلام المنزلة فيه لئلا يستحق النبوة مع ما استحقه من الفضيلة والمنزلة.
وممّا يزيد ذلك بيانًا أنّ النبيّ (ص) لو قال: (علي منّي بعد وفاتي بمنزلة هارون
[٣٩٨] الأفضل تصحيح العبارة كما يلي: لأنّه لولا ما ذكر من الفضيلة والمنزلة ما احتاج ... .
[٣٩٩] (من) هنا سببية، أي أنّ
سبب ضرورة نفي النبوة عن أمير المؤمنين علیه السلام هو ما جعله
النبيّ (ص) له مثل هارون.