المتبقي من تراث ابن قِـبَـة الرازيّ - أبي جعفر محمّد بن عبد الرحمن بن قِبَـة الرازيّ - الصفحة ١٥١ - ثانيًا حديث المنزلة
كلمنا
ليفهمنا ويعلمنا علیه السلام ، فلو
جاز أن يكون عنى بعض منازل هارون من موسى دون بعض ولم يكن في الخبر تخصيصُ ذلك لم
يكن أفهمنا بقوله قليلًا ولا كثيرًا، ولمّا لم يكن ذلك وجب أنّه قد عنى كلّ منزلة
كانت لهارون من موسى ممّا لم يخصّه العقل ولا الاستثناء في نفس الخبر. وإذا وجب
ذلك فقد ثبتت الدلالة على أنّ عليًا علیه السلام أفضل أصحاب رسول الله وأعلمهم وأحبّهم إلى رسول الله (ص) وأوثقهم في نفسه، وأنّه يجب له
أن يخلفه على قومه إذا غاب عنهم غيبة سفر
أو غيبة موت؛ لأنّ ذلك كلّه كان في شرط هارون ومنزلته من موسى.
فإن قال قائل: إنّ هارون مات قبل موسى ولم يكن إمامًا بعده، فكيف قيس أمرُ علي علیه السلام على أمر هارون بقول النبيّ (ص) : (هو مني بمنزلة هارون من موسى)، وعلي علیه السلام قد بقي بعد النبيّ (ص) ؟
قيل له: نحن إنّما قسنا أمر علي على أمر هارون بقول النبيّ (ص) : (هو مني بمنزلة هارون من موسى)، فلمّا كانت هذه المنزلة لعلي علیه السلام وبقي علي وجب أن يخلف النبيّ في قومه بعد وفاته. ومثال ذلك ما أنا ذاكره إن شاء الله: لو أنّ الخليفة قال لوزيره: (لزيد عليك في كلّ يوم يلقاك فيه دينار، ولعمرو عليك مثل ما شرطته لزيد)، فقد وجب لعمرو مثل ما لزيد، فإذا جاء زيد إلى الوزير ثلاثة أيام فأخذ ثلاثة دنانير، ثمّ انقطع ولم يأته، وأتى عمرو الوزيرَ ثلاثة أيام فقبض ثلاثة دنانير فلعمرو أن يأتي يومًا رابعًا وخامسًا وأبدًا و سرمدًا ما بقي عمرو، وعلى هذا الوزير ما بقي عمرو أن يعطيه في كلّ يوم أتاه دينارًا، وإن كان زيد لم يقبض إلّا ثلاثة أيام، وليس للوزير أن يقول لعمرو: (لا أعطيك إلّا مثل ما قبض زيد)؛ لأنّه كان في شرط زيد أنّه كلّما أتاك فأعطه دينارًا، ولو أتى زيد