المتبقي من تراث ابن قِـبَـة الرازيّ - أبي جعفر محمّد بن عبد الرحمن بن قِبَـة الرازيّ - الصفحة ٣٠٤ - عدم المنافاة بين النصّ على الإمام وغَيبته
قلنا: أجل، لابدّ من الدلائل على صحة ما ادّعيناه من ذلك، وأنتم فإنّما سألتم عن فرع[٨٥٢]، والفرع لا يُدَلُّ عليه دون أن يُدَلََّ على صحة أصله[٨٥٣]، ودلائلنا في كتبنا موجودة على صحة هذه الأُصول.
ونظيرُ ذلك أنّ سائلًا لو سألنا الدليل على صحة الشـرايع لاحتجنا أن ندلّ على صحة الخبر، وعلى صحة نبوَّة النبي (ص) ، وعلى أنّه أمر بها، وقبل ذلك أنّ الله واحد حكيم، وذلك بعد فراغنا من الدليل على أنّ العالَـم محدَث، وهذا نظير ما سألونا عنه.
[عدم المنافاة بين النصّ على الإمام وغَيبته:]
وقد تأمّلتُ في هذه المسألة، فوجدتُ غرضها ركيكًا، وهو
أنّهم قالوا:
(لو كان الحسن بن علي (ع) قد نصّ
على من تدّعون إمامته، لسقطت الغَيبة).
والجواب في ذلك: أنّ الغَيبة ليست هي العدم، فقد يغيب[٨٥٤] الإنسان إلى بلد يكون معروفًا فيه، ومشاهَدًا لأهله، ويكون غائبًا عن بلد آخر، وكذلك قد يكون الإنسان غائبًا عن قوم دون قوم، وعن أعدائه لا عن أوليائه، فيُقال: (إنّه غائب، وإنّه مستتر)، و إنّما قيل: (غائب)؛ لغيبته عن أعدائه، وعمّن لا يوثَق بكتمانه من أوليائه، وأنّه ليس مثل آبائه ظاهرًا للخاصّة والعامّة، وأولياؤه مع هذا ينقلون وجوده وأمره ونهيه، وهم عندنا ممّن تجب بنقلهم الحجة، إذ[٨٥٥] كانوا يقطعون
[٨٥٢] أي عن نصّ الإمام العسكري على ولده المهدي .
[٨٥٣] مثل أنّ الإمام لا يمضي، أو ينصّ على إمام.
[٨٥٤] أي يذهب.
[٨٥٥] في الأصل: «إذا»، وما أثبتناه أنسب.