المتبقي من تراث ابن قِـبَـة الرازيّ - أبي جعفر محمّد بن عبد الرحمن بن قِبَـة الرازيّ - الصفحة ١١١ - كيفية العلم بتحقق شروط التواتر
من بُعْد فيشتبه على السامع، إلّا أنّا نفرّق بين أحوال المدرَكات ونميّز بين ما يصح اعتراض الشبهة فيه وما لا يصح أن تعترضه شبهة، فمتى كان الخبر متناولًا لحال لا تدخل الشبهة في مثلها، وتكاملت شروطها الباقية قطعنا على صحته.
فأمّا حصول الشرائط المذكورة في جميع الطبقات فيُعلم
بما يرجع إلى العادة أيضًا؛ لأنّها جارية بأنّ الأقوال التي تظهر وتُنشـر بعد أن
لم تكن كذلك لا بدّ [من] أن يُعرف ذلك من حالها، حتى يُعلم الزمان الذي ابتدأت فيه
بعينه، والرجال الذين ابتدعوها، وتولوا إظهارها، وحكمُ[٢٨٣] الأخبار التي تقوى فروعها[٢٨٤] ويرجع نقلها إلى آحاد أو
جماعة قليلة العدد هذا الحكم. ولا بدّ
فيمن كانت له خلطة بأهل الأخبار من أن يكون عارفًا بحالتي ضعفها
وقوتها، بهذا جرت العادات في المذاهب والأقوال الحادثة بعد أن كانت
مفقودة، والقوية[٢٨٥] بعد الضعف، كما علمناه من
حال الخوارج[٢٨٦] والجهمية[٢٨٧]
[٢٨٣] مبتدأ، وخبره: هذا الحكم.
[٢٨٤] وقوعها: (خ ل)، كذا، والظاهر أنّ مراده هو الأخبار التي تظهر وتنتشـر بين الناس، ولكن يرويها الآحاد، فلابدّ من معرفة زمانها ومبتدعها.
[٢٨٥] معطوفة على: الحادثة.
[٢٨٦]الخوارج:هم الذين خرجوا على أمير المؤمنين علیه السلام بعد عملية التحكيم، وقالوا: إنّه لا يجوز تحكيم الرجال، وعدّوا ذلك كفرًا، وطلبوا من أمير المؤمنين علیه السلام التوبة منه، فلمّا أبى علیه السلام خرجوا عليه واجتمعوا في النهروان، فذهب إليهم علیه السلام وسحقهم. وكبار الفرق منهم المحكمة والأزارقة والنجدات والبيهسية والعجاردة والثعالبة والإباضية والصفرية، والباقون فروعهم. ويجمعهم القول بالتبري من عثمان وأمير المؤمنين علیه السلام ، ويكفرون أصحاب الكبائر، ويرون الخروج على الإمام إذا خالف السنة حقًا واجبًا (ينظر: فرق الشيعة: ٦، الملل والنحل للشهرستانيّ: ١/١١٤).
[٢٨٧]الجهمية:هم أصحاب جهم بن صفوان، وهو من الجبرية الخالصة، ظهرت بدعته بترمذ، وقتله مسلم بن أحوز المازنيّ بمرو في آخر ملك بني أُمية. وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية، وزاد عليهم بأشياء: منها قوله: لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلقه؛ لأنّ ذلك يقضي تشبيهًا، ومنها: إثباته علومًا حادثة للباري تعالى لا في محل. (ينظر: الملل والنحل للشهرستانيّ: ١/٨٦).