موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٠٨ - ٢ مذهب المصلحة أو البراغماتية
وبعبارة أخرى فإنّ بوند يعتقد بأنّ الحقوق يجب أن تتضمّن مثل هذه الرسالة، وهذا العمل إنّما يكون ممكناً فيما إذا قام علم الحقوق على أساس ومبنى علم الاجتماع. وفي هذا الصدد تحرّك بوند على مستوى التحقيق ودراسة آراء المحاكم لمعرفة العوامل المؤثّرة في صياغة رأي المحكمة، وكذلك الغايات التي يتوخّاها القضاة ويسعون للوصول إليها، والتأثير الذي تخلّفه هذه الغايات على المسلك القضائي في عملية حلّ الخصومات.
ويؤيّد بوند بأنّنا يجب أن نتحرّك في كلّ قضية أو دعوى لحلّها بشكل عادل ومتناسب مع الأحوال والظروف المحيطة بالدعوى. وإحدى أهمّ النتائج المترتّبة على هذه الرؤية أنّ مقولة فردية العقوبة تعني أنّ المحكمة لا ينبغي أن تنظر إلى كيفية وقوع الجرم، بل يجب عليها في بداية الأمر دراسة شخصية المتّهم وبالتالي الحكم عليه بما يستحقّه من خلال ظروفه [١].
ويعتقد بوند بأنّه من أجل معرفة ماهية الحقوق يجب معرفة الهدف منها، وهدف الحقوق بدوره يتغيّر على امتداد التاريخ، وبالتالي فإنّ القواعد والنظريات الحقوقية ستكون متغيّرة ومتحوّلة بالتبع. وتوضيح ذلك كما يتصوّر بوند، أنّ تاريخ الحقوق يمكن تقسيمه إلى خمس مراحل:
١. مرحلة الحقوق القديمة. حيث كان الهدف من جميع القواعد الحقوقية حفظ السلام والصلح ومنع حالات الحقد وسفك الدماء، ولذلك كانت المجتمعات والأقوام البشرية تقرّر القصاص لجبران أيّ عدوان وضرر على الطرف المقابل، كالعين بالعين والسن بالسنّ.
٢. مرحلة الحقوق المنضبطة. وفي هذه المرحلة نرى أنّ الحقوق تهدف لتوفير الوضوح والصراحة للدساتير القانونية وإيجاد الانسجام والتناغم فيما بينها، وفي هذه المرحلة يتمّ الاهتمام بصورة الأعمال الحقوقية وظاهرها أكثر من الإرادة النفسانية الواقعية للأشخاص، من قبيل أنّ الوثائق التي تملك إمضاءً وختماً تكون ملزمة للكاتب وصاحب الإمضاء وإن كانت قد نظّمت بأدوات الحيلة والخداع.
٣. مرحلة الإنصاف. وفيها تحلّ الغايات والمثل الأخلاقية محلّ الصور والقوالب الجافّة، ويكون الاهتمام بحسن النيّة وصدق وأمانة الطرفين أكثر من التشريفات الظاهرية في العقد. وفي هذه المرحلة أصبحت الحقوق الطبيعية والإنصاف هي المعيار لتمييز الحقّ من الباطل، وبدلًا من أن يكون صاحب الحقّ «رئيس الأُسرة والأب فيها» فإنّ كلّ فرد من أفراد المجتمع هو صاحب حقّ.
٤. مرحلة رشد الحقوق. وفي هذه المرحلة فإنّ الحقوق تتضمّن الغايات الخاصّة بالمرحلة الثانية والثالثة، أي مرحلة الانضباط ومرحلة الإنصاف معاً.
ويمكن مشاهدة تأثير هذا الهدف في تكامل النظريات والآراء التي تتّصل بما لم يمكن تحقيقه من القوانين والسعي من أجل إزالة الامتيازات والفوارق الحقوقية بين الرجل والمرأة في الأسرة، وبالتالي نيل النساء لحقوق سياسية واجتماعية متكافئة.
٥. مرحلة الحقوق الاجتماعية. وفي هذه المرحلة التي لازالت موجودة في و اقع المجتمع البشريّ المعاصر فإنّ الأخلاق الاجتماعية حلّت محلّ الأخلاق
[١]. فلسفة الحقوق، ج ١، ص ١٨٤ و ١٨٥ (بالفارسيّة).