موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٢٩ - نقد ومناقشة
عَلَيهِ دَلِيلًا يدلُّ عَلَيه» [١].
والجدير بالذكر أنّ أئمّة أهل البيت عليهم السلام بيّنوا لأتباعهم هذه الحقيقة، وكان الإسلام قد اتّسع نطاقه وظهرت مسائل مستحدثة كثيرة في ذلك الوقت واستعان البعض بالقياس والاستحسان وأمثال ذلك لإيجاد الحلول والأجوبة لمثل هذه المسائل.
وتقدّمت الإشارة في هذا الكتاب إلى طرق استنباط الأحكام التي تتّصل بالمسائل الجديدة في بحث المسائل المستحدثة بصورة كاملة.
٢. إنّ هذا المنهج ينتهي إلى إنكار قسم مهمّ من الأحكام الإسلامية والكثير من ضررويات الدين، ولا يبقى من الإسلام شيء سوى ما يتّصل بباب العبادات وهذا خلاف الإجماع وضرورة الإسلام، ولم يقل بذلك أحد من علماء الإسلام، من الشيعة وأهل السنّة.
٣. إنّ مفهوم هذا الكلام هو أنّ إرسال الرسل وإنزال الكتب، والأتعاب والجهود التي بذلها الأنبياء والأولياء كانت تنحصر في دائرة تعليم الناس أمور العبادة، وأمّا في سائر الأمور الاخرى فيرجعون إلى عقولهم وتفكيرهم وما يرونه من مصلحة في ذلك الأمر مع أنّنا نعلم أنّ فكر الإنسان مهما تطوّر ومهما ازدادت معلوماته ومعارفه لا يجد الطريق إلى معرفة المصالح الواقعية، بل يقع في الكثير من الموارد في هوّة الخطأ والضلالة، والدليل على ذلك ما نراه من تغيّر سريع في منظومة القوانين البشرية والتقاطع الموجود بين قوانين المجتمعات فيما بينها. وبديهيّ أنّ اللَّه تعالى الذي خلق الإنسان من أجل إيصاله إلى أجواء السعادة هو أعلم بمصالحه ولابدّ أن يأخذ بيده في طريق الخير والهداية والصلاح في مختلف شؤون حياته.
٤. إنّ هذا النمط من التفسير يشير إلى أنّ هؤلاء لم يفهموا معنى الأحكام الإمضائية في الإسلام بشكل صحيح، وكما قلنا إنّ الأحكام الإمضائية ليست بمعنى أنّ الإسلام يقرّ جميع الأحكام العرفية في غير العبادات بل إذا كان هناك حكم في عرف العقلاء ويرى الإسلام أنّه موافق لمصالح الناس، فعند ذلك يقرّه ويتحرّك على مستوى إمضائه بشكل صريح أو من خلال سكوته.
وببيان آخر: إنّ إشكال منهج الحلّ المذكور، هو أنّه لم يقدّم ولا شاهداً واحداً على أنّ الشارع أمضى بناء العقلاء بشكل كلّي وعامّ بل إنّ الثابت والمسلّم أنّ بعض بناءات العقلاء في ذلك الوقت لم يقرّها الشارع، بل ردع عنها، وبعضها الآخر أقرّها وأمضاها، إذن فينبغي التحقيق في كلّ واحدة من بناءات العقلاء في العصر الحاضر ليتبيّن هل كانت موجودة في زمان المعصوم أم لا؟ فإذا ثبت أنّ هذه السيرة بهذا الإطارالفعلي أو في مضمونها وذاتها كانت موجودة في عصر المعصوم ولم يردع عنها المعصوم بل أقرّها؛ فهي حجّة، وإلّا فلا يمكن إثبات حجيّتها بآلية إمضاء المعصوم.
وبعبارة أخرى: إنّ بناء العقلاء لا يعدّ من أشكال الحجّة الشرعية القطعية، وليس علّة تامّة للحجّية حتى يقال إنّه معتبر بدون الحاجة إلى إمضاء الشارع، وعلى هذا الأساس فلا يمكن اعتباره حجّة إلّافي صورة أن يقع مورد إمضاء الشارع أو عدم إنكاره، لأنّه من الواضح أنّ مجرّد استقرار سيرة العقلاء على عمل معين لا يدلّ على مقبولية ذلك العمل عند الشارع المقدّس، بالتالي فإنّ كلّ واحدة من البناءات العقلائية إنّما تكون معتبرة شرعاً إذا كانت في مرآى ومنظر الشارع ولم
[١]. الكافي، ج ١، ص ٥٩، ح ٢.