موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٩٢ - ٢ ضرورة الحكومة
جماعة الخوارج شعار «لا حُكْم إلّاللَّه» ومرادهم من ذلك نفي وجود الحكومة والسلطة، قال أميرالمؤمنين عليه السلام عند ذاك:
«كَلِمَةُ حَقٍّ يُرادُ بِها باطِلٌ ...
وإنَّهُ لابُدَّ للنّاسِ مِن أميرٍ بَرٍّ أو فاجِرٍ» [١]
(لأنّ الحكومة السيئة والظالمة أفضل من عدم الحكومة).
وجاء في كلام آخر لأميرالمؤمنين عليّ عليه السلام
«العَدْلُ أساسٌ بِه قِوامُ العالَم» [٢].
وجاء في حديث آخر عنه عليه السلام أيضاً أنّه قال:
«لَيْسَ ثَوابٌ عِندَ اللَّهِ سُبحانَهُ أعْظَمُ مِن ثَوابِ السُّلطانِ العادِل» [٣].
وكذلك قال الإمام عليه السلام:
«جَمالُ السِّياسَةِ العَدْلُ في الإمْرةِ» [٤].
إنّ الحياة الاجتماعية للبشر تتضمّن الكثير من المشاكل والنزاعات والخصومات بين أفراد المجتمع، ولا أحد يملك عقلًا سليماً يشكّ في ضرورة وجود حكومة عادلة ونظام سياسي وحاكم مقتدر، وقانون عادل لحلّ هذه الأمور في واقع المجتمع البشريّ، لأنّ الفوضى الاجتماعية (آنارشيزم) [٥] تتقاطع مع فطرة الإنسان وتؤدّي إلى محو القيم وموت المُثل والفضائل في حركة الحياة.
ولا شك في أنّ العقل هو أحد الحجج الإلهيّة والرسول الباطنيّ في الإنسان، وأحد منابع استنباط الأحكام الفقهية
«كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع» [٦]
. وعلى هذا الأساس فعندما يقول العقل بضرورة تشكيل النظام السياسي في المجتمع من أجل مواجهة الفوضى الاجتماعية وإيجاد النظم والانسجام وتحقيق التقدّم والأمن في حركة الحياة، فإنّ الدّين أيضاً يرى وجوب تأسيس مثل هذا النظام وتحقيقه في أرض الواقع الاجتماعي، وإذا قرّر العقل لزوم تصدّي شخص أو أشخاص معيّنين تتوفّر فيهم الشروط للقيام بإدارة الأمور، فإنّ الدين أيضاً يرى لزوم تصدّي هذا الشخص الواجد للشرائط لأمر الحكومة. وعلى هذا الأساس فإنّ شعار عدم التدخّل في الأمور السياسية والاجتماعية مخالف لدستور العقل والدين.
يقول ابن خلدون العالم الإسلاميّ المعروف:
«واعلم أنّ الشرع لم يذُمّ الملك لذاته ولا حظر القيام به وإنّما ذمّ المفاسد الناشئة عنه من القهر والظلم والتمتّع باللذّات» [٧].
ويتحدّث الدكتور وهبة الزحيلي في كتابه المعروف «الفقه الإسلامي وأدلّته» عن ضرورة تشكيل الحكومة الدينية في منظار فقهاء المذاهب الأربعة لأهل السنّة يقول: «الإسلام نظام دينيّ ومدنيّ متكامل ويتلازم وجود المسلمين مع قيام الدولة، ومن أهمّ أركان كلّ دولة كما أشرت سابقاً وجود سلطة عامة سياسية عليا يخضع لها جميع الأفراد المكوّنين للجماعة، لذلك نرى الأكثرية الساحقة من علماء الإسلام (وهم أهل السنّة والمرجئة والشيعة والمعتزلة ...) تقرّر وجوب إقامة حكومة عليا».
وينقل أنّ ابن تيمية قال: «يجب أن يعرف أنّ ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين
[١]. نهج البلاغة، الخطبة ٤٠.
[٢]. بحار الأنوار، ج ٧٥، ص ٨٣- ٨٥.
[٣]. غرر الحكم، ح ٨٧٢٠؛ عيون الحكم والمواعظ، ص ٤١٠.
[٤]. غرر الحكم، ح ٧٧٣٧.
[٥].٥ .Anarshism .
[٦]. انظر: دروس في علم الأصول، ج ١، ص ١٠١؛ أصول الفقه للمظفّر، ج ١، ص ١٨٩؛ المراجعات، ص ٣٢٨.
[٧]. مقدّمة ابن خلدون، ص ١٩٢، الفصل ٢٦.