موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٧ - المرحلة السادسة عصر اليقظة و إحياء باب الإجتهاد من جديد
وبعد السيّد جمال الدين تابع أحد تلاميذه البارزين وهو الشيخ محمّد عبده هذه الحركة وعمل على تحرير الفقه من التقيّد بمذهب خاصّ، وقد تشكّلت في أواخر عام ١٩١٤ م، لجنة من العلماء والمفكّرين في مصر ومن أعضائها مفتي الأزهر وبعض القضاة الكبار في الجهاز القضائي وأساتذة جامعات الحقوق والعلوم القضائية.
وقد دوّن هؤلاء العلماء الأحوال الشخصيّة بالاستفادة من المذاهب الأربعة وقد انحلّت هذه اللجنة بعد مدّة بسبب مخالفة جماعة من العلماء، ولكن حركة الإصلاح هذه التي تنطلق من حاجات المجتمع الإسلامي المعاصرة، قد اشتدّت بين المسلمين، ومرّة أخرى بدأت عملية إصلاح القوانين بالاستفادة من جميع المذاهب الأربعة.
الخطوة الأخرى تمثّلت في إمكانية الاستفادة من غير المذاهب الأربعة في عملية التقنين، وكانت هذه الخطوة تمثّل في الواقع آخر خطوة لتحرير الفقه من إطار المذاهب الأربعة.
ففي عام ١٩٣٦ م، وافقت هيئة الوزراء في مصر على تدوين قوانين الفقه بالاستفادة من الفقه الإسلامي بدون تقيّد بمذهب خاص [١].
وفي هذه النهضة الجديدة كان العلماء يرون أنّ آراء الفقهاء والصحابة وبعدهم التابعين، لها ذلك الاعتبار والقيمة التي لآراء أبيحنيفة ومالك والشافعي وأحمد ابن حنبل. وعليه فلا ضرورة للالتزام بالعمل بفتوى مجتهد واحد، بل يمكن الاستفادة من فتاوى سائر المجتهدين من الصحابة والتابعين إذا كانت الفتوى تنسجم مع حاجة العصر [٢].
ويرى بعض المحقّقين أنّ التصدّي لظاهرة التقليد وفتح باب الاجتهاد قد بدأ على يد ابن تيميّة (م ٧٥٨) وتليمذه ابن القيّم الجوزية (م ٧٥١). حيث انتقد بشدّة ظاهرة التقليد والمقلِّدين ودعا العلماء للاجتهاد في كتاب اللَّه وسنّة رسوله ومنهج السلف الصالح.
وفي أوائل القرن الثاني عشر ظهر محمّد بن عبدالوهّاب (م ١٢٠٦) وأخذ بمنهج ابن تيميّة وأسس المذهب الوهابي على هذا الأساس.
[١]. والملفت للنظر أنّ بعض فقهاء أهل السنّة قد اختار بعض فتاوى علماء الشيعة في ما يتعلق ببعض المسائل الفقهية، والنموذج البارز لذلك ما قام به مفتي السنّة الكبير «الشيخ محمود شلتوت» رئيس جامعة الأزهر السابق في مسألة الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد وقال: «بالرغم من أنّ الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد وبجملة واحدة يعدّ في المذاهب الأربعة ثلاثة طلاقات، ولكن طبقاً لمذهب الشيعة الإمامية فإنّه يحسب طلاقاً واحد لا أكثر، وبما أنّ القانون (وظاهر الآيات) يؤكد أنّ الشيعة على حقّ فلذلك يجب العمل به» (مجلة رسالة الإسلام الصادرة عن دار التقريب بين المذاهب الإسلاميّة بالقاهرة، سنة ١١، العدد ١، ص ١٠٨). ثم إنّه وسّع من رأيه في هذه المسألة وأصدر فتواه التاريخية: «إنّ مذهب الجعفريّة المعروف بمذهب الشيعة الإماميّة الاثنا عشريّة مذهب يجوز التعبّد به شرعاً كسائر مذاهب أهل السنّة».
ثم أوصى المسلمين بالتعرف على هذا المذهب وترك التعصب لمذهب معيّن (المصدر السابق، ص ٢٢٨).
[٢]. تاريخ الفقه الإسلامي، ص ١١٢-/ ١١٥ (بتلخيص)، وكذلك انظر: المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي، ص ١٥٤-/ ١٦١؛ تاريخ التشريع الإسلامي، ج ٢، ص ٣٠٣-/ ٣٦٠.
يعتقد الاستاد محمّد فريد وجدي بصراحة بانفتاح باب الاجتهاد وقد أقام أدلّة قوية لإثبات ذلك (انظر: دائرة المعارف القرن العشرين، ج ٣، ص ٢٥٣-/ ٢٥٥).