موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٠٥ - ١ مذهب أصالة النفع
وضع القوانين لموجودات واعية وأشخاص يتحرّكون من موقع الشعور والمسؤولية، ويجب أن يكون واضع القانون يملك سيطرة وسلطة على هؤلاء الأشخاص ليتمكّن من تنفيذ هذا القانون وتطبيقه على مستوى العمل والواقع. وعلى هذا الأساس فإنّه يعتقد بأنّ القانون الواقعي الذي يتضمّن أحكاماً ومقرّرات تكليفية على الناس، إمّا أنّ يكون موضوعاً من قِبل اللَّه تعالى على الناس أو بواسطة أشخاص يملكون القدرة والسلطة السياسية على الآخرين [١].
هارت:
يعتبر هارت أحد أتباع مذهب بنتام في مسألة منابع الحقوق- ولكنّه خلافاً لبنتام و آستين اللذين يعتقدان بأنّ الحكومة أو سلطة الدولة هي المنبع للحقوق- يرى أنّ القانون والذوق القضائي يمثّلان أساسين مهمّين للحقوق، ويقول:
إذا كانت الحكومة مصدراً للحقوق، فإنّ النظام الحقوقي سيتغير بتغيّر النظام السياسي أيضاً، في حين أنّ الأنظمة السياسية تتغير مع بقاء النظام الحقوقي في ذلك المجتمع على حاله، وهكذا بالنسبة للأحكام الجزائية التي تستوعب في دائرتها الموظفين العاملين في جهاز الحكومة، ولذلك لا يمكن اعتبار الشخص الذي يكون بنفسه مشمولًا للحقوق الجزائية منشأً ومنبعاً لهذه الحقوق، وبالطبع فلا شك في أنّ الضمانات التنفيذية للقواعد الحقوقية تقع على عاتق الحكومة، ولكن لزوم الضمانة التنفيذية للقانون لا يعني ضرورة إطاعة الأفراد للحكومة، مضافاً إلى وجود عوامل أخرى توجب لزوم طاعة الناس للحكومة، والنتيجة أنّه لا يمكن القول إنّ سلوك الناس عادة في خطّ التبعية والطاعة للحكومة ناشىء دائماً من خوفهم من الحكومات، بل هناك ضمانات تنفيذية أخرى أيضاً.
ويقسّم هارت المعادلات الحقوقية إلى قسمين:
١. المعادلات الثابتة والأولية.
٢. المعادلات الثانوية والمتفرّعة على المعادلات الأولية.
أمّا المعادلات الأولية فتظهر بنفسها في المجتمع منذ قديم الأعصار أي من زمان المجتمعات البدوية، وقد اعتاد الناس على هذه السلوكيات، مثل قبح الانتقام وتسوية الحسابات الشخصيّة من خلال بعض أعمال العنف، كالضرب والشتم، أو لزوم رعاية احترام الآخرين. والسبب في سلوك الناس هذا الطريق لأنّهم يرون سعادتهم تتحقّق في الحركة في هذا الخطّ من اعتبار القيم والتقاليد واحترامها، وأمّا السلوكيات الثانوية فعادة تتجلّى بصورة اتّباع القانون وإطاعته.
وبالرغم من أنّ هارت يرى ثبات السلوكيات الأولية، ولكنّه في ذات الوقت لا يراها مسلّمة لدى جميع الشعوب، يقول: ليس من الضروريّ أن تكون مقبولة لدى جميع الأفراد في المجتمع بل يكفي قبولها من قِبل الأقلّية الحاكمة لتكون قانوناً مشروعاً.
وفي ذات الوقت يقول في مكان آخر: لا يجب على الأغلبية اتّباع رأي الأقلية إلّاإذا كانت الأقلية تتحرّك على مستوى مراعاة الموازين الأخلاقية القانونية، وفي غير هذه الصورة فإنّ لسائر الأفراد الحقّ في الاعتراض والمخالفة في مقام العمل والممارسة.
ويرى هارت، كآستين، مجموعة اختيارات عليا للقاضي [٢].
[١]. انظر: مقدمة على الحقوق الإسلامية، ج ٢، ص ١٢٩ (بالفارسيّة).
[٢]. المصدر السابق، ص ١٣٠ و ١٣١.