موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٧ - ١ «الفقه» يعكس أفضلية خالق العقل على العقل
إمتيازات الفقه الإسلامي
إنّ القوانين الإسلامية لها الأفضليّة بالنسبة للقوانين البشرية والحقوق الوضعية والعرفية، وتمتاز عنها بخصائص كثيرة منها:
١. «الفقه» يعكس أفضلية خالق العقل على العقل
إنّ المقنّن في القوانين الإلهيّة هو اللَّه تعالى، وهو خالق الإنسان وخالق عقل الإنسان، أي أنّه ذلك المنبع اللامحدود الذي يُعتبر العقل مجرّد شعاع من وجوده ويملك معرفة وافية بالنسبة لما يصلح الإنسان ويفسده، ومن جهة أخرى فإنّ الجواذب النفسانية والشهوانية التي يمكن أن تعرقل عمل المقنّن البشري وتمنعه من وضع قوانين متناغمة مع تلك المصالح والمفاسد، لا مفهوم لها في حقّه تعالى، في حين أنّ المقنّن في دائرة القوانين البشرية لا يملك سوى معرفة ناقصة ومحدودة للمصالح والمفاسد، مضافاً إلى إمكان وقوع أفكاره ورؤاه تحت تأثير العوامل النفسانية والشهوانية، وبديهيّ أنّ من يحتاج لمن يأخذ بيده ويهديه سواء السبيل، لايمكنه وضع سلسلة من القوانين والمقرّرات لهداية الآخرين: «قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَّايَهِدِّى إِلَّا أَنْ يُهْدَى» [١].
وببيان آخر: إنّ امتياز الفقه الإسلامي على القوانين الوضعية في العالم هو في كونه تجلّياً لأفضلية خالق العقل على العقل، وفيما يعكسه من تفاوت بين مبدأ الوحي وبين إفرازات الفكر البشري، لأنّ واضع القوانين في الفقه الإسلامي هو اللَّهتعالى، وهو: أوّلًا: عالم ومطّلع على جميع حاجات البشر وميوله، ولذلك لا يمكن مشاهدة أيّ نقص وتناقض وتضادّ في قوانينه.
ثانياً: لا معنى لتأثير الأهواء والميول في شأنه تعالى، في حين أنّ عقل الإنسان- حتّى في صورة ظهوره بالعقل الجمعي- فإنّه في كثير من الموارد محكوم للميول النفسانية ومتأثّر بالنوازع الدنيوية، وربّما تورّط بأمور مستهجنة جدّاً (من قبيل مشروعية المثلية) [٢].
ثالثاً: إنّه تعالى لا يمنعه من بيان الحقّ الخجل والحياء «وَاللَّهُ لَايَسْتَحْىِ مِنَ الْحَقِّ» [٣].
رابعاً: إنّه لا يسلك طريق الإفراط في بيان الأحكام،
[١]. سورة يونس، الآية ٣٥.
[٢]. نذكر في نهاية هذا الفصل احصائيات رسمية عن بعض القوانين البشرية القبيحة جدّاً وما خلفتها من آثار وعواقب مدمرة ومخزية.
[٣]. سورة الأحزاب، الآية ٥٣.