موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١٧ - شبهات العلمانية
البشريّ وحياة البشر» [١]. وكذلك يمكن القول:
«إنّ الحكومة في نظر المجتهد الواقعي تعتبر فلسفة عملية لجميع أحكام الفقه الإسلامي ليستوعب جميع مناحي الحياة البشرية. والحكومة علامة على دور الفقه في مواجهته لجميع المعضلات الاجتماعية والسياسية والعسكرية والثقافية، إنّ الفقه يمثّل مشروعاً واقعياً وكاملًا لإدارة أمور الإنسان من المهد إلى اللحد.
والغرض الأساس هو كيف يمكننا أن نتحرّك على مستوى تجسيد الأصول والمباني الفقهية في واقع المجتمع، وبالتالي نتمكّن من إيجاد الحلول والأجوبة للمشاكل والتحدّيات الصعبة التي يفرضها الواقع، إنّ قلق الاستكبار العالمي يكمن في هذه المسألة، وهي أنّ الفقه يتحرّك فعلًا على مستوى الممارسة والتطبيق العملي، وذلك بإمكانه أن يمنح المسلمين القدرة على مواجهة التحدّيات المفروضة» [٢].
أمّا كلامهم المتقدّم فهو عبارة عن مغالطة طفولية تتردّد أحياناً على ألسنة بعض السياسيين من عناصر قوى الظلم والجور حيث يقولون: أيّها الفقهاء أنتم رجال تعيشون الطهارة والصفاء الروحي ولا ينبغي أن تتلوّثوا بالسياسة التي تقوم على أساس الخداع والكذب والسلوكيات المنحرفة!!
٣. ويقول البعض في هذا المجال: أولًا: إنّ الفقه يملك أصولًا ثابتة لاتتغيّر، أمّاالسياسة و القضايا الاجتماعية فهي حقيقة سيّالة وتعيش الصيرورة باستمرار، وحينئذٍ كيف يتمكّن الفقه من استيعاب البعد الاجتماعي والسياسي في حياة الإنسان والمجتمع البشريّ؟
ونقول في مقابل هذه الشبهة أوّلًا: إنّ الفقه يملك أحكاماً ثابتة تتّفق مع الحاجات الفطرية للإنسان، وتتناسب مع حاجات الإنسان الثابتة وهذه الحاجات تتجلّى بأشكال مختلفة بمرور الزمان، ولكن أصولها تتمتّع بالثبات دائماً.
إنّ أدوات الاجتهاد واستنباط الأحكام الفقهية في الإسلام تتناغم مع أيّ تغيّر وتبدّل في واقع الحياة، ومن خلال الرؤية الدينية للمتغيّرات التي تقع في حياة البشر، وبهذه الأدوات الاجتهادية يمكن تقييم الحالة مورد البحث وتعيين الحكم الشرعي لها، لأنّ الحقائق الإسلامية الثابتة والأصول الكلّية في الفقه الإسلامي تتكفّل الاجابة عن جميع الموارد المتغيّرة وبالتزامن مع مقضيات كلّ عصر ومكان ويتحرّك قادة الإسلام على مستوى تجهيز أتباعهم بنوع من الأجوبة والحلول للمسائل والأحكام التي يحتاجونها، ويقولون:
«عَلَيْنا إلْقَاء الأصُولِ وعَلَيكُمُ التَّفْرِيع» [٣].
ثانياً: إنّ جميع المسائل السياسية والاجتماعية لا تملك تلك الحقيقة السيّالة دائماً، لأنّ الكثير من المتغيّرات الاجتماعية لا تتضمّن سوى التغيير في الشكل والقالب الظاهري فقط، مثلًا الروابط الحقوقية الاقتصادية الموجودة في جميع المجتمعات البشرية من القديم إلى العصر الحاضر في قوالب البيع، الإجارة، الصلح، الشركة، وبعض العقود الأخرى، لم تتغيّر هذه العقود سوى بعض التغيّرات الشكلية الطفيفة وبقيت ماهيّتها الحقوقية ثابتة، والأحكام الصادرة من قِبل الشريعة الإسلامية تتعلّق بماهيّات هذه الروابط الحقوقية لا بشكل وقالب خاصّ منها، إذن فلا وجه
[١]. الوصية الإلهيّة للإمام الخميني، المادة (ب).
[٢]. صحيفة النور للإمام الخميني، ج ٢١، ص ٢٨٩.
[٣]. وسائل الشيعة، ج ١٨، ص ٤١.