موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٩ - الحاجات الطبيعية
أمّا ما هي الحاجات والمشاكل التي يواجهها الإنسان في واقع الحياة وفي أيّ موارد؟ في مقام الجواب ينبغي القول: إنّ الإنسان يملك ثلاثة أنواع من الحاجات:
الحاجات الطبيعية:
إنّ أوّل نوع من حاجة الإنسان ما يتّصل بدائرة الحياة الطبيعية، من قبيل الحاجة للغذاء، المسكن، الدفاع عن النفس، الانتقال من مكان إلى آخر.
وربّما يقال إنّه ومن أجل إشباع هذا النوع من الحاجات، لا يحتاج الإنسان إلى الفقه، لأنّ الحاجات موجودة ومتوفّرة بشكل مباشر في المحيط الطبيعي الذي يعيش فيه، ويكفي لرفعها أن يقوم الإنسان لإشباع هذا النوع من الحاجات بالسعي المتواصل لاستغلال عناصر الطبيعة ويستثمرها لصالحه ويعمل على تسخير موارد الطبيعة حوله في تحقيق هذا المطلوب، ويكفي للإنسان أن يستخدم العقل والعلم وقدرة الإبداع فيه للوصول إلى هذا الهدف، ولا يحتاج حينئذٍ لتدخّل الدين، لأنّ تطويع قوى الطبيعة والعمل على إعمار الحياة في بُعدها المادّي لا يرتبط بهداية أو ضلالة الإنسان، ليكون مشمولًا لمقرّرات الشريعة وقوانين الفقه. وببيان آخر: إنّ رسالة الدين لا تقوم على أساس تعليم العلوم والفنون لتسخير الطبيعة للإنسان، لأنّ ارتكاب الخطأ في هذه المساحة لا يؤدّي إطلاقاً إلى انحراف الإنسان عن خطّ الهداية والسقوط من أُفق الإنسانية، مثلًا اكتشف الإنسان بعد ألفي عام من عمر نظرية بطليموس حول الأرض والكرات السماوية، خطأ هذه النظرية واستبدلها بنظرية جديدة، وهي نظرية كبرنيك وغاليلو، ومثل هذا الخطأ لا يتقاطع مع وصول الإنسان إلى آفاق السعادة ولا يؤثّر على مسيرة الإنسان والغاية من خلقته [١].
وفي مقام الجواب يمكن القول: إنّ هذا الكلام صحيح ومقبول من جهة، وهي أنّ رسالة الدين لاتتمثّل في تعليم الإنسان العلوم والفنون والأساليب المختصّة بتسخير الطبيعة، ولكنّ هذا المعنى لا يعني أنّ الإسلام لم يقرّر أيّ حكم من الأحكام لهذه النشاطات والفعاليات التي يقوم بها الإنسان في حركة حياته الطبيعية، لأنّ من الممكن أن تؤدّي بعض أساليب تسخير الطبيعة إلى مفاسد أخلاقية واجتماعية، وبالتالي تقف حاجزاً أمام مسيرة الإنسان التكاملية، فلابدّ من نهيه عن اتّخاذ مثل هذه الأساليب والأعمال السلبية، على سبيل المثال فإنّ الإسلام في المسائل الاقتصادية وما يتعلّق بالمصارف قد حرّم الأساليب التي تفضي إلى الربا، وكذلك حرّم بيع وشراء المخدّرات والمشروبات الكحولية وجميع الأمور المضرّة للإنسان في بدنه وروحه وأخلاقه.
كان النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله يعلم عن طريق الوحي بأنّ النوع الفلاني من اللحم مفيد للإنسان والنوع الآخر مضرّ، وقد أحلّ الأول بحكم إلهي وحرّم الثاني، وهكذا بالنسبة لسائر الأنواع من المشروبات والأمور المتعلقة بحياة الإنسان المادية.
وبعبارة أخرى: إنّ عدم تدّخل الشريعة في مجالات العلوم والفنون المرتبطة بتسخير الطبيعة، ليس بمعنى عدم وضع أحكام كليّة لهذه الأساليب ووضعها في إطار
[١]. مجلّة فقه أهل البيت، السنة الثانية، العدد ١، ص ٢١٥ و ٢١٦، (مقالة مكانة الفقه في الفكر الإسلامي).