موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٨ - ٤ الملازمة بين حكم العقل والشرع
٢. اجتناب الإفراط والتفريط في التمسّك بالعناوين الثانوية
أحياناً نواجه الإفراط والتفريط في عملية الاستفادة من العناوين الثانوية، بمعنى أنّ البعض قد يتحرّك في إطار التمسّك بالعناوين الثانوية في مورد أو موضوع مهما كان ضئيلًا ومهما كانت المشكلة طفيفة في حين أنّ الغالب في أمور المعيشة والحياة أنّها تقترن ببعض المشاكل، وجميع التكاليف الشرعية تحمل في طيّاتها نوعاً من الكلفة والصعوبة، ولهذا سمّيت: تكاليف. وعليه فلا ينبغي ترك الأحكام الشرعية بمجرّد أن يواجه المكلّف شيئاً من الصعوبة والثقل في واقع الممارسة والامتثال، ويتمسّك بالعناوين الثانوية في الحكم بحلّية جميع المحرّمات، فهذا يعني فتح باب الذنوب والمعاصي على مصراعيه أمام الناس وتلوثّهم بالذنوب الصغيرة والكبيرة.
وقد رأينا في هذا الزمان بعض الأشخاص الذين لا يملكون اطّلاعاً كافياً على أحكام الإسلام، يتحرّكون بأقلّ ضرورة على مستوى الحكم بحلّية وإباحة الذنوب الكبيرة والصغيرة، ومعه ستتعرّض جميع أحكام الشريعة إلى خطر المحق.
ومن جهة أخرى نرى بعض الأشخاص يتّجهون نحو التشدّد في الالتزام بالأحكام الأولية وعدم العمل بقاعدة (لا ضرر) في أبواب النكاح وأمثال ذلك، فحتّى العسر والحرج الشديدين لا يرونهما مسوّغاً لإباحة بعض الأمور الممنوعة، في حين أنّ الوارد في الحديث الشريف:
«لَيْسَ شَيءٌ مِمّا حَرَّم اللَّهُ إلّاوقَدْ أحَلَّهُ لِمَنِ اضْطُرَّ إلَيهِ» [١].
وقوله تعالى: «وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» [٢] ينفي على الأقلّ الحرج الشديد عن عهدة المكلّف.
النتيجة: إنّ الاستفادة من العناوين الثانوية ينبغي أن تكون بشكل منسجم ومتعادل بدون سلوك طريق الافراط فيها ولا التفريط، وبذلك يمكن للمكلّف أنّ يتحرّك في مقام الامتثال في خطّ الطاعة والمسؤولية والرسالة.
٣. أصل البراءة
المعيار الثالث لحلّ المسائل المستحدثة يتمثّل في القاعدة الكلّية تحت عنوان: «أصل البراءة» التي تستند تارة على العقل طبقاً لقاعدة «قبح العقاب بلا بيان»، وأحياناً أخرى تستند إلى الشارع وتسمّى «البراءة الشرعية»، وكلا هاتين القاعدتين تهدفان لغرض كلّي وهو أنّ كلّ شيء لم يرد فيه منع شرعيّ ولم يحكم العقل أيضاً بقبحه فإنّه مباح شرعاً، من قبيل جميع الاختراعات، المفيدة في القرون المتأخرة، وكذلك أنواع الفنون الرياضية والعلوم والفنون الجديدة.
٤. الملازمة بين حكم العقل والشرع
المعيار الرابع في حلّ المسائل المستحدثة، الملازمة بين حكم العقل والشرع، وطبقاً لهذه القاعدة فإنّه كلّما حكم العقل بصورة قطعية وجزمية بقبح عمل معيّن فإنّ الشرع يصدر مثل هذا الحكم أيضاً، كما أنّ العكس صحيح أيضاً، فلو أنّ الشارع أصدر حكماً واطّلع العقل على حكمة وفلسفة ذلك الحكم، فإنّه سوف يؤيّده ويصدّقه.
[١]. وسائل الشيعة، ج ١٦، ص ١٣٧، الباب ١٢ من أبواب كتاب الأيمان، ح ١٧.
[٢]. سورة الحج، الآية ٧٨.