موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٠ - مقدّمة
يقوم المتخصّصون في كلّ علم وفنّ ببيان المصطلحات المتعلّقة بذلك العلم أو الفنّ.
إنّ «الفقه» الذي يعتبر من أوسع العلوم الإسلامية مساحة، يملك اصطلاحات كثيرة في عملية التفهيم والخطاب، بحيث تغطّي هذه الاصطلاحات جميع أبواب الفقه من أول كتاب الطهارة إلى آخر الديات.
وهذه الاصطلاحات متنوّعة وكثيرة جدّاً إلى درجة أنّه يمكن تقسيم مصطلحات كلّ باب منها إلى مفردات أصغر، من قبيل الاصطلاحات الواردة في الأبواب العبادية، القضائية والجزائية، الحقوقية، السياسية، الاصطلاحات التي تتّصل بالمناصب والمسؤوليات الرسمية، الاصطلاحات التي تتّصل بالأحوال الشخصية، الاصطلاحات التي تتّصل بالأمكنة والأزمنة، وكذلك الاصطلاحات التي تتّصل بالأوزان، والمساحات والمقادير وغير ذلك.
فلو ألقينا نظرة سريعة إلى باب الطهارة فقط في الفقه الإسلامي، لرأينا اصطلاحات كثيرة من قبيل: «الكرّ، القليل والجاري»، «المطلق والمضاف»، «الوضوء والغسل والتيمّم»، «الاستبراء، الاستنجاء»، «أيّام الاستظهار»، «الحيوان الجلّال»، «الاستحالة، والانقلاب، وما إلى ذلك».
وهناك نقطة جديرة بالذكر، وهي أنّ الاصطلاحات عادة تقع مورد توافق أصحاب الخبرة في ذلك العلم عادة، ولكن ربّما يختلفون في مصاديقها، مثلًا «الكُرّ» وهو الماء الذي لا يتنجّس بملاقاة النجس، بعكس القليل، ولكن ما هو مقدار الكرّ ووزنه؟ هنا يختلف العلماء في هذا المورد، وأحياناً نرى أنّ العلماء في عين توافقهم في المفهوم المراد من ذلك المصطلح، إلّاأنّهم يختلفون من حيث الوجود الخارجي لذلك المفهوم، مثلًا في مسألة «العول والتعصيب» حيث ذهب جماعة من فقهاء أهل السنّة إلى قبوله، بينما ذهب فقهاء الإمامية إلى إنكاره.
ويمكن أن ترد بعض المفردات في الفقه ويراد بها معنىً اصطلاحياً خاصّاً، في حين أنّها تستخدم في علم آخر ويراد بها معنىً اصطلاحياً آخر، وهذا الأمر يجري في أغلب العلوم، مثلًا مفردة «القياس» تستخدم في علم المنطق بمعنىً خاصّ وهو حجّة وفقاً لذلك المعنى، ولكنّ هذه المفردة في علم أصول الفقه تأتي بمعنىً آخر ولها مصاديق صحيحة وأخرى باطلة.
على هذا الأساس ربّما تحدث بعض الخلافات العلمية بسبب نزاع لفظيّ أو بسبب عدم تشخيص المراد من المفردات، مثلًا يقرّر المتكلّمون بحثاً في موضوع معيّن وينطلق العرفاء والفلاسفة في الردّ عليهم ورفض مقولتهم في ذلك الموضوع، في حين أنّه لو تمّت دراسة ذلك الموضوع من موقع الدقّة والتأمّل، فسوف يتّضح أنّ فهم كلّ طرف من المتنازعين لهذه المفردة يختلف عن فهم الطرف الآخر، وبالتالي تقع هذه المفردة مورد النفي والإثبات ويكون النزاع لفظياً فحسب.
ونحن في هذا البحث لسنا بصدد استعراض «اصطلاحات الفقه»، بل نستعرض بعضها فيما يخصّ الاصطلاحات المستخدمة في الفتوى وكيفية امتثال الحكم الشرعي وأمثال ذلك، وكذلك فيما إذا كانت هناك اصطلاحات فقهية تستعمل غالباً في جميع أبواب الفقه (ورغم أنّ الكثير منها اعتبر من الاصطلاحات الأصولية) ونتجنّب البحث في الاصطلاحات الخاصّة بكل باب من أبوابه.