موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠ - تأثير العقائد والأخلاق في عملية الاستنباط
مكان خاصّ كالمسجد، أو في زمان معيّن كأوّل الوقت كان بقصد الرياء، فعمله باطل [١].
ورد في الروايات عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله وأئمّة أهل البيت عليهم السلام:
قال اللَّه عزّ وجلّ: «أنا خَيرُ شريكٍ، مَن أشْرَكَ مَعِي غَيْري في عَمَلٍ عَمِلَه لم أقْبَلْهُ إلّاما كان لي خالِصاً» [٢]
. وكذلك ورد:
«إنّك لن يُتَقَبَّلَ مِن عَملِك إلّاما أخْلَصْتَ فِيه» [٣].
ب) جاء في بعض الروايات:
«إنّ حُسْنَ الخُلُقِ يُذِيبُ الخَطِيئةَ ... وإنّ سُوءَ الخُلُقِ لَيُفْسِدُ العَمَل ...» [٤].
ج) إنّ الصدقات المستحبّة التي تختلط وتقترن بالمنّ والأذى في جزئياتها وخصوصياتها طبقاً للآية الشريفة: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَاتُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى» [٥] تقع باطلة لا يثاب عليها الإنسان، فالمنّ والأذى من الرذائل الأخلاقية ..
د) ورد في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ الأعمال العبادية التي يتكفّل بها علم «الفقه» إذا اختلطت بالرذائل الأخلاقية كالعجب ونسيان الذنب مثلًا فإنّها ستحبط:
«قال إبليسُ: إذا استَمْكَنتُ من ابنِ آدَمَ في ثلاثٍ لم أُبالِ ما عَمِل، فإنَّه غَيرُ مَقبولٍ منه: إذا استَكْثَر عَملَه ونَسِيَ ذَنْبَه ودَخَله العُجْب» [٦].
ه) ورد في حديث عن الرسول الإكرم صلى الله عليه و آله التصريح بأنّ الأعمال الصالحة لا ثمرة فيها بدون ورع وحسن الخلق:
«ثَلاثةٌ من لم تَكُن فيه لَم يَقُم له عَمَل: وَرَعٌ يَحجُزه عن مَعاصي اللَّه عزّوجلّ، وخُلُق يُدارِي به الناس، وحِلمٌ يَرُدُّ بهِ جَهْل الجاهِل» [٧].
تأثير العقائد والأخلاق في عملية الاستنباط:
مضافاً إلى ما ذكر، فإنّه لا ينبغي الغفلة عن تأثير العقائد والمكارم الأخلاقية التي تمثّل (روح الشريعة وغاية الدين النهائية) في شفافية استنباط المسائل الفقهية أيضاً، لأنّ الفقيه الذي يملك الإيمان القويّ ويتمتّع بالعدالة الأخلاقية فإنّه: أوّلًا: عندما يتحرّك في مقام استنباط الأحكام فإنّه يتوخّى غاية الدقّة في ذلك لئلّا يكون مسؤولًا أمام اللَّه تعالى، وثانياً: إنّ أشكال الحبّ والبغض والمنافع الشخصية والفئوية لا يمكنها أن تكون مانعاً وحاجزاً في عملية استنباط الأحكام، ولهذا السبب فإنّه يستنبط في الغالب ما هو أقرب للحقّ والعدل، وما يوافق نظر الشارع المقدّس ويضعه موضع استفادة الناس على شكل مسائل فقهية.
والشكل الآخر من التأثير المتقابل بين الفقه والمسائل الأخلاقية والعقائدية هو أنّ أهمّ مقولة أخلاقية هي «العدالة» وتعدّ في ذات الوقت من المقاصد العليا للدين، وكذلك ملاحظة سائر غايات ومقاصد الدين بعنوانها أصل من أصول الاستنباط التي ينبغي أن يأخذها الفقهاء بنظر الاعتبار.
وتوضيح ذلك: إنّ «الفقه» مسؤول عن جميع تفاصيل منظومة الدين، والفقيه لا يمكنه إصدار رأي لا ينسجم مع أحد أهداف ومقاصد الدين، مثلًا إذا كانت الفتوى تتقاطع وتتعارض مع إقامة القسط والعدالة الاجتماعية في الأرض، فإنّه ينبغي للمسلم أن يتدبّر
[١]. العروة الوثقى، كتاب الصّلاة، فصل النيّة، المسألة ٨.
[٢]. الكافي، ج ٢، ص ٢٩٥، ح ٩؛ كنز العمّال، ج ٣، ص ٤٧٩، ح ٧٥١٢.
[٣]. غرر الحكم، ح ٢٩١٣.
[٤]. بحار الأنوار، ج ٦٨، ص ٣٩٥، ح ٧٤.
[٥]. سورة البقرة، الآية ٢٦٤.
[٦]. الخصال، ص ١١٢، ح ٨٦.
[٧]. بحار الأنوار، ج ٦٧، ص ٣٠٥، ح ٢١.