موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧١ - أ) فلسفة الأحكام في نظر فقهاء مدرسة أهلالبيت عليهم السلام
دفع الضرر الدنيوي فهو الحاصل للنفس بترك القوت» [١].
وفي هذا المجال يقول «الفاضل المقداد» (م ٨٢٦):
«إذا اعتقد الشخص بعدم وجود أيّ غرض لأفعال اللَّه، فإنّ لازم ذلك أن تكون أفعال اللَّه عبثية وبدون هدف، وهذا ينافي كون اللَّه حكيماً».
ثمّ يشير إلى أدلّة الأشاعرة الذين ينكرون وجود الغايات والأغراض في أفعال اللَّه تعالى، وبعد أن يقوم بردّ هذه الأدلّة يقول:
«مضافاً إلى ذلك، فإنّ الأدلّة النقلية تصرّح بأنّ اللَّه لايفعل أيّ فعل بدون هدف، من قبيل قوله تعالى: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» [٢]» [٣].
وقد أورد المتكلّم والفقيه المشهور «الحسن بن يوسف» المعروف ب «العلّامة الحلّي» (م ٧٢٦) بحثاً شاملًا في ردّ نظرية الأشاعرة وبيان الآثار والتبعات السلبية لكلامهم، ونشير هنا إلى بعض هذه اللوازم السلبية:
١. إنّ لازم هذ الكلام هو أنّ أفعال اللَّه تعالى تصدر من موقع العبث واللاهدفية، في حين أنّ اللَّه تعالى يقول:
«وَما خَلَقْنَا السَّمواتِ وَ الارْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبينَ» [٤].
٢. إنّ لازم كلامهم هو أن يكون بعث وإرسال الأنبياء بدون هدف بشكل عام، وبالتالي لا يمكن الاعتماد على كلام الأنبياء ودعواهم ... (لأنّه من الممكن صدور القبيح والمعصية منهم نظراً لإنكار الحسن والقبح في الأفعال).
٣. والأهمّ من ذلك أنّ كلام «الأشاعرة» يستلزم أنّه لا مانع من أن يقوم اللَّه تعالى بتعذيب أفضل الخلق وأخلصهم إليه وأشدّهم طاعة له كالنبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله ويعاقبه بأشدّ أنواع العذاب والعقاب، وفي نفس الوقت فإنّه يثيب أشدّ الخلق عداوة له كإبليس وفرعون! لأنّ المفروض أنّ أفعال اللَّه تعالى ليست معلّلة بغايات وأغراض معقولة، ولا يوجد حسن وقبح في ذات الأفعال، ولا فرق حينئذٍ بين «سيّد المرسلين صلى الله عليه و آله» و «إبليس» من حيث الثواب والعقاب!! [٥]
ويقول «ابن ميثم البحراني» (م ٦٧٩) بعد التصريح بأنّ أفعال اللَّه تعالى معلّلة بالغايات والأغراض: ولا يوجد أي فعل من الأفعال الإلهيّة لا يتضمّن غرضاً معيناً بحيث يكون ذلك الغرض هو الداعي لذلك الفعل وإلّا يلزم منه الترجيح بلا مرجّح وهو محال، ويشير بعد ذلك إلى دليلين للمنكرين ويجيب عنهما بشكل مفصّل ومشروح [٦].
ويذكر العلّامة مرتضى المطهّري في باب فلسفة الأحكام تحليلًا رائعاً وشاملًا ويقول:
«إنّ القوانين الإسلامية في عين كونها سماوية، فهي أرضية أيضاً، أي تقوم على أساس المصالح والمفاسد الموجودة في حياة البشر. بمعنى أنّ هذه القوانين والأحكام لا تملك بعداً خفيّاً وسرّياً مائة بالمائة بحيث يقول الإنسان: «إنّ حكم اللَّه لا يرتبط بهذه الأسباب والمصالح، وإنّ اللَّه قد وضع قانوناً هو الذي يعرف أسراره فقط» لأنّ الإسلام قام أساساً ببيان أنّ كلّ قانون وحكم ورد في الشريعة السماوية إنّما يقوم على أساس مصالح معيّنة تتّصل إمّا بجسم الإنسان أو بروحه وبأخلاقه وعلاقاته الاجتماعية».
[١]. القواعد والفوائد، ج ١، ص ٣٣ و ٣٤.
[٢]. سورة الذاريات، الآية ٥٦.
[٣]. اللوامع الإلهيّة في المباحث الكلامية، ص ٢٢١.
[٤]. سورة الأنبياء، الآية ١٦؛ سورة الدخان، الآية ٣٨.
[٥]. نهج الحق وكشف الصدق، ص ٨٩ و ٩٠.
[٦]. قواعد المرام في علم الكلام، ص ١١٠.