موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٢ - العامل الثاني عشر الإختلاف في أقسام الإجماع
عليه في هذا الرأي ويكون بنظره صحيحاً ومقبولًا، سواء من كتاب اللَّه أم السنّة أم القياس أم الاستحسان، وما إلى ذلك [١]، ولكن بعد تحقّق الإجماع يمكن الاستناد في الفتوى على هذا الإجماع نفسه ولا حاجة للبحث في دليل المجمعين، وهذا هو ما صرّح به بعض علماء أهل السنّة [٢].
وفي نظر فقهاء مدرسة أهل البيت عليهم السلام فإنّ الإجماع الذي له قيمة واعتبار هو ما يكون متضمّناً نظر المعصوم ومستنداً إليه فقط، وعلى هذا الأساس فإنّ الإجماع إنّما يكون معتبراً فيما إذا كان كاشفاً عن رأي ونظر النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله أو الإمام المعصوم عليه السلام [٣].
على أيّة حال فإنّ الموافقين لحجيّة الإجماع يختلفون فيما بينهم فيما يتّصل بكيفية هذه الحجّية وسعة دائرة المجمعين وأقسام الإجماع.
إنّ اختلاف النظر هذا ناشىء من المفهوم والمراد من الأشخاص المجمعين الذين يحصل منهم الإجماع، فهل المراد اتّفاق جميع أفراد الأُمّة الإسلامية [٤] أم اتّفاق أهل الحلّ والعقد [٥]، أم اتّفاق المجتهدين بعد رحلة النّبي [٦]، أم اتّفاق المجتهدين في عصر من العصور بعد رحلة النبيّ صلى الله عليه و آله على أمر من أمور الدين [٧]، أم اتّفاق أهل المدينة [٨]، أم إجماع الصحابة فقط [٩] وما إلى ذلك [١٠].
ومن جملة المسائل التي وقع البحث فيها في دائرة الإجماع، أقسام الإجماع، حيث ينقسم إلى: إجماع محصّل، منقول، صريح، سكوتي (الذي يعبر عنه الإماميّة بعدم الخلاف) والإجماع المركّب. وكلّ واحد من الإجماع المحصّل والمنقول والصريح، له أقسام أيضاً مثل الإجماع الدخولي، الإجماع التشرّفي، الإجماع اللطفي، الإجماع التقريري، الإجماع الحدسي، والإجماع الكشفي؛ وتفصيل هذه الأقسام والموارد يحتاج إلى وقت طويل، وقد ورد في كتب علم الأصول لدى الإمامية البحث في هذه الموارد بالتفصيل. إنّ الاختلاف في حجّية بعض هذه الأقسام للإجماع أدّى إلى وقوع الاختلاف في الفتوى بالتبع، ونشير هنا إلى بعض موارد اختلاف الفتوى الناشىء من الاختلاف في دائرة حجّية الإجماع:
١. يرى بعض علماء أهل السنّة، كمالك، أنّ إجماع أهل المدينة حجّة بدون قيد وشرط، واستدلّوا به أيضاً، ولكنّ جماعة كثيرة من الفقهاء والأصوليين لم يقبلوا بذلك [١١]، وعلى هذا الأساس اختلفوا في مسألة جواز أو عدم جواز القصاص من المسلم في مقابل قتل الذمّي، فذهب أحمد [١٢] والشافعي [١٣] إلى عدم جواز القصاص من المسلم في مقابل قتل أيّ كافر، وقال مالك أيضاً: إنّ المسلم لا يقتصّ منه في مقابل الكافر الذمّي إلّافي صورة «الغيلة» [١٤] واستدلّ على ذلك
[١]. انظر: أصول الفقه للشيخ محمّد الخضري، ص ٣٢٦.
[٢]. انظر: أصول الفقه الإسلامي للشلبي، ص ١٨٠.
[٣]. انظر: أصول الفقه للمظفر، ج ٣، ص ٩٧.
[٤]. المستصفى، ج ١، ص ١٧٣.
[٥]. الإحكام في أصول الأحكام، ج ١، ص ١٦٨.
[٦]. تفسير الفخر الرازي، ج ٩، ص ١٥٠.
[٧]. المهذب في أصول الفقه المقارن، ج ٢، ص ٩٠٠؛ أصول الفقهالإسلامي للشلبي، ص ١٥١.
[٨]. وهو قول مالك (المستصفى، ج ١، ص ١٨٧).
[٩]. وهو قول الظاهرية. (المحلى لابن حزم، ج ١، ص ٥٤).
[١٠]. انظر: المستصفى، ج ١، ص ١٨٧.
[١١]. الإحكام في أصول الأحكام، ج ١، ص ٢٠٧.
[١٢]. الإقناع في فقه الإمام أحمد، ج ٤، ص ١٧٥.
[١٣]. الأمّ، ج ٤، ص ٣٤٤.
[١٤]. يقول ابن رشد في بداية المجتهد: قتل الغيلة أن يضجعه فيذبحهوبخاصّة على ماله (بداية المجتهد، ج ٤، ص ٢٢٧) ويطلق مصطلح «الغيلة» اليوم على «الاغتيال».