موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٩ - ط) شرع الأنبياء السابقين
المسألة إلى العرف أيضاً. أمّا الشافعيّة فلم يقبلوا في كتاب «نهاية المحتاج في شرح المنهاج» بحجّية العرف، وذهبوا إلى وجوب الصيغة اللفظية في البيع [١].
وذهب بعض فقهاء الإماميّة أيضاً إلى بطلان بيع المعاطاة [٢] وأحياناً ذهبوا إلى جوازه في المعاملات الجزئية، ولكنّ أغلب فقهاء الإمامية في الوقت الحاضر يعتقدون بصحّة بيع المعاطاة في جميع الموارد، بل ذهب البعض منهم إلى أنّ المعاملات كانت في بداية أمرها أيضاً بصورة معاطاة، وبعد ذلك ظهر البيع بشكل تنظيم سند أو وثيقة [٣].
ط) شرع الأنبياء السابقين
لا شكّ في أنّ جوهر الأديان الإلهيّة واحد، ولكنّها تختلف فيما بينها على أساس اختلاف الظروف والمقتضيات التاريخية للمجتمعات البشرية، كما أنّ بعض الأحكام الفقهية في الشريعة الإسلامية، مثل شرائع الأنبياء السابقين:
«شَرَعَ لَكُمْ مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً» [٤].
وبديهيّ أنّ الفقهاء لا يختلفون فيما بينهم بالنسبة للمسائل التي صرّح الإسلام فيها بإبقاء قوانين الأديان السابقة على الأمّة الإسلامية، مثل وجوب الصوم في قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ» [٥] وكذلك في الموارد التي ألغى فيها القرآن الحكم الوارد في الشريعة السابقة، مثل إلغاء حرمة بعض أجزاء الذبيحة بعد ما كان حراماً على اليهود، كما في قوله تعالى: «أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ» [٦] لأنّ هذا النهي وذلك الإثبات قد ورد في القرآن الكريم.
ولكن هل يمكن استصحاب بقاء أحكام الشرائع السابقة التي لم يرد فيها نفي أو إثبات صريح في القرآن الكريم أو سنّة النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله؟ وبالتالي اعتبارها حجّة على المسلمين وينبغي عليهم العمل بها، ويقوم المجتهد بإصدار فتواه على أساسها؟
ذهب بعض الفقهاء إلى أنّ أحكام الشرائع السابقة حجّة على المسلمين أيضاً على أساس أنّها شريعة إلهيّة، وذهب البعض الآخر، كما احتمل المحقّق النائيني، أنّ جميع أحكام الشرائع السابقة قد نسخت بشريعة الإسلام، وإذا كان هناك تشابه في بعض الأحكام فإنّ ذلك يعود إلى تشريع حكم جديد يشبه الحكم الوارد في الشريعة السابقة لا أنّه نفسه وبمثابة استمرار للحكم السابق [٧]، وأمّا بالنسبة لأحكام الشرائع السابقة التي لم يرد التصريح بنفيها أو إثباتها في الإسلام، فهناك قولان لفقهاء الإسلام:
١. ذهب جمهور الأحناف وبعض المالكيين والشافعيين [٨] ورواية واحدة عن أحمد، إلى أنّه: كلّ حكم ورد في القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية من أحكام الشرائع السابقة ولم يعلن عن نسخه، فهو حجّة علينا، لأنّه:
أوّلًا: إنّ النقل بنفسه بدون ردّ يعتبر نوعاً من
[١]. نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، ج ٣، ص ٣٧٥.
[٢]. نقل في كتاب أنوار الفقاهة، ج ١، ص ٥١ في كتاب البيع هذا القول عنالعلّامة في النهاية.
[٣]. أنوار الفقاهة، ج ١، ص ٣٦ و ٦٢، كتاب البيع.
[٤]. سورة الشورى، الآية ١٣.
[٥]. سورة البقرة، الآية ١٨٣.
[٦]. سورة المائدة، الآية ١.
[٧]. مصباح الأصول لآية اللَّه الخوئي، ج ٣، ص ١٤٩.
[٨]. الأصول العامة، ص ٤٣٠؛ الإحكام في أصول الأحكام، ج ٤، ص ١٤٦؛ الأصول الإسلامية منهجها وأبعادها، ص ٢٧٠.