موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١١ - أسباب اختلاف الفتوى
بشكل أفضل، وبالتالي فهو بحاجة للدراسات والتحقيقات العلمية للمجتهدين الآخرين ولو من المذاهب الأخرى، وبذلك يتمكّن فقهاء المذاهب الإسلامية ومن خلال الاستفادة من هذا المنهج، الاستفادة من المعطيات العلمية لدراسات الفقهاء الآخرين، لأنّ
«أعلم النّاس أعلمهم باختلاف النّاس». [١]
أسباب اختلاف الفتوى:
إنّ مصدر اختلاف الفتاوى يمكن بيانه كالتالي:
١. الاختلاف في منابع الاستنباط من قبيل البحث حول حجّية العقل النظري وحجية رأي الصحابي والقياس والاستحسان وأمثال ذلك.
٢. عدم توصّل بعض الفقهاء إلى بعض الأحاديث الشريفة وتوصّل فقهاء آخرين إليها.
٣. اختلاف الرأي في حجّيّة أسناد بعض الروايات للاختلاف في معيار وثاقة الرواة وأمثال ذلك.
٤. الاختلاف في جهة صدور الحديث، مثل احتمال التقيّة أو كون الحكم مؤقتاً.
٥. الاختلاف فينسخ الحكم بسبب الاختلاف في ضوابط نسخ الأحكام، مثل نسخ القرآن بخبر الواحد.
٦. الاختلاف في قراءة بعض الآيات القرآنية من جهة الإعراب وما إلى ذلك، والاختلاف في نقل متون بعض الأحاديث.
٧. الاختلاف في نوعية وكيفية الاستنباط من الآيات والروايات الشريفة والاختلاف في فهمهاوتفسيرها.
٨. تعارض الأدلّة والاختلاف في كيفية المرجّحات.
٩. الاختلاف في بعض الأصول العملية وحجّية الاستصحاب، والبراءة في الشبهة التحريمية، وغير ذلك.
١٠. الاختلاف في سعة دائرة ومساحة القواعد الفقهية.
١١. الاختلاف في حكومة العقل في بعض المسائل.
١٢. الاختلاف في كيفية تحقّق الإجماع وحجّيّته.
١٣. تأثّر بعض الفقهاء بالمسبوقات الذهنية أو الثقافية الحاكمة على الأجواء الفكرية للفقيه أو ما يتّصل بحالة التعصّب غير المنطقيّ لدى بعض الفقهاء بالنسبة لمذهب معيّن أو مدرسة فقهيّة خاصّة.
وربّما يظنّ القارىء الكريم عندما يرى جميع هذه العوامل المثيرة للاختلاف في الفتوى أنّه لا ينبغي أن تكون مسألة فقهية تقع مورد اتّفاق فقهاء الإسلام إلّا نادراً، ولكن بإلقاء نظرة على الكتب الفقهية لفقهاء الإسلام ومذاهبه، يتبيّن أنّ هذه العوامل الموجبة للاختلاف لا تتّصل بكلّيات أبواب الفقه، بل إنّ الفقهاء متفقون فيما بينهم في الكلّيات الفقهية في الإسلام، وتنحصر دائرة الخلاف في الفتوى في إطار بعض المسائل الفرعية.
وبديهيّ أنّ هذا المقدار من الاختلاف في الفهم يعتبر طبيعياً وسائداً في جميع العلوم النظرية والعقلية، وحتّى العلوم التجريبية التي تقوم على أساس التجارب الحسّية التي لا يتوقّع وجود اختلاف في النظر لدى هؤلاء العلماء، فإنّ الكثير من المشاهدات تحكي عن اختلاف الرأي بين الأطبّاء مثلًا في تشخيص مرض معيّن بعد المعاينة الطبية وإجراء الفحوص المختبرية.
إنّ هذه العوامل تمثّل أهم عوامل الاختلاف في الفتوى، وكلّ واحد من هذه العوامل له نصيب معيّن في اختلاف الفتاوى بين المجتهدين الشيعة وفقهاء سائر
[١]. بحارالأنوار، ج ٤٧، ص ٢١٨، ح ٤.