موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٣ - هل هناك علوم ومعارف أخرى لازمة لعملية الاجتهاد؟
هوبعهدة الفقيه، لا يحتاج إلى معرفة تفصيلية بعلوم الرياضيات والطبّ والفلك والكيمياء وما إلى ذلك، بل ما يخصّ الفقيه هو الموضوعات الكلّية التي يستخرجها ويستنبطها الفقيه من منابع الأحكام، أي الكتاب والسنّة، نعم إنّ ما يحتاج إليه المكلّف من تلك العلوم هو ما يتّصل بتشخيص المصاديق والجزئيات لتلك الموضوعات الكلية، وهذه ليست بعهدة الفقيه.
ومع الالتفات إلى هاتين المقدّمتين، نستنتج أنّ الفقيه لا يحتاج في تشخيص الموضوعات الكلية إلى تعلم سائر العلوم كالرياضيات والكيمياء والطبّ وما إلى ذلك، وإلّا لزم من ذلك أن يقوم المكلّف من أجل نيل مرتبة الاجتهاد بتعلّم ودراسة الكثير من العلوم البشرية، وهذا الأمر محال عادة ويؤدّي إلى سدّ باب الاجتهاد وحرمان أغلب الأفراد من تحصيل القوّة الفكرية للاجتهاد، والحال أنّه لم يقل بذلك أحد من الفقهاء، بل قالوا بعكس ذلك.
يقول المرحوم المحقّق النراقي في هذا المجال:
«ديدن الفقهاء، الرجوع في الموضوعات إلى أهل خبرتها» [١]
. وذكر آخرون أيضاً ما يشبه هذا الكلام [٢].
النتيجة، أنّ الموضوعات التي تتكفّل تشخيص الجزئيات والمصاديق، تعتبر من العلوم التخصّصية التي يستطيع الفقيه بالرجوع إلى أهل الخبرة في ذلكالفن، أن يحلّ المشكلة ولا يحتاج إلى التعمّق في تلك العلوم [٣].
كما أنّ الموضوعات التي لا تحتاج إلى تخصّص علمٍ خاص ولكن يجب التعرّف عليها بالرجوع إلى ارتكاز العرف بشكل دقيق، ولا شكّ أنّ الفقيه وبسبب ممارسته المستمرّة لهذه المسائل يكون أقوى من غيره في تشخيص هذه الموضوعات، ففي هذه الصورة يتولّى الفقيه مسؤولية تشخيص المصاديق وإصدار الحكم الشرعي فيها ويفتي به إلى المقلِّدين.
والأمثلة على ذلك في الفقه لمثل هذه الموضوعات كثيرة، منها ما يقال من حرمة استعمال آنية الذهب والفضة، فهذا الحكم ثبت من الأدلّة الشرعية بشكل عام، ولكن هناك شكّ في تعيين مصاديقه، فهل أنّ إطار الساعة اليدوية، قارورة الكحلة، الملعقة، وما إلى ذلك، هل تعدّ من الآواني المذكورة أم لا؟ وكذلك بالنسبة لوجوب السجود على الأرض وما ينبت منها سوى الأطعمة والألبسة، فهذه المسألة معلومة بشكل لحكم كلّيّ، ولكن هل أنّ الأدوية النباتية أو قشور الفواكه وأمثالها تعدّ من المأكولات؟ وهل أنّ أوراق الأشجار كالنخيل التي يحاك منها قبعة، مثلًا، هل تعدّ من الملبوسات أم لا؟ وكذلك في التغيير التقديري للماء غير النقي الذي وقع فيه مثلًا مقدار من الدم، فهل يعدّ من مصاديق التغيير الموجب لنجاسة ماء الكرّ أم لا؟ أو ما يلاحظ في موارد المسائل الجديدة كظهور النساء المتبرجات في التلفزيون بشكل بثّ مباشر، فهل يحسب ذلك من مصاديق (النظر إلى غير المحارم) أو عند سماع آية السجدة من الإذاعة أو أجهزة الإعلام العامّة، فهل هو من قبيل استماع آيات السجدة الموجب للسجود، أم لا؟ وأمثال هذه الموضوعات الموجودة في جميع أبواب الفقه. وبديهيّ، أنّ تشخيص هذه الموضوعات لو فوّض إلى المقلِّدين فإنّ الكثير منهم سيعيش الحيرة في تشخيص وظيفته الشرعية.
[١]. مستند الشيعة، ج ٢، ص ١٢١.
[٢]. مهذّب الأحكام، ج ١١، ص ٣٨٦ و ٣٨٧.
[٣]. أنوار الأصول، ج ٣، ص ٦٢٩.