موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٩ - ٣ علم الكلام
الكلام [١]. وهذا الدليل بدوره يعود في الواقع إلى الدليل السابق.
مضافاً إلى أنّ جماعة أخرى من علماء الإسلام ذهبوا إلى ضرورة تعلّم علم الكلام لتحصيل ملكة الاجتهاد أيضاً [٢].
القول الثاني: إنّ علم الكلام لا يعتبر من مقدّمات الاجتهاد، وقد ذهب إلى ذلك بعض علماء المذاهب الإسلامية وأشاروا إلى هذه النقطة في كلامهم، مثلًا:
يقول الغزالي في كتابه «المستصفى»:
«فأمّا الكلام وتفاريع الفقه فلا حاجة إليهما» [٣]
أي في الاجتهاد.
ويقول الفخر الرازي:
«أمّا الكلام فغير معتبرٍ لأنّا لو فرضنا إنساناً جازماً بالإسلام تقليداً لأمكنه الاستدلال بالدلائل الشرعية على الأحكام» [٤].
ويقول الشيخ زين الدّين بن عليّ، المعروف بالشهيد الثاني في كتابه «الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقيّة»:
«صرّح جماعة من المحققين بأنّ الكلام ليس شرطاً في التفقّه، فإنّ ما يتوقّف عليه منه مشترك بين سائر المكلّفين» [٥].
في حين أنّ المرحوم ضياءالدين العراقي وآية اللَّه الخوئي في كلّ من «نهاية الأفكار» و «مصباح الأصول»، عندما بحثا مقدمات الاجتهاد، لم يشيرا إلى كون علم الكلام يمثّل مقدّمة للاجتهاد [٦].
ولكنّ الحقّ أنّ تعلّم علم الكلام أمر لازم وضررويّ لتحصيل الاجتهاد، لأنّ الأساس لبعض المسائل الأصولية يقوم على جملة من القضايا العقائدية والكلامية، مثلًا في مسألة أنّ اللَّه تعالى حكيم والحكيم لا يصدر عنه فعل القبيح، إذن لا يمكن أن يكلّف البشر فوق طاقتهم وقدرتهم، وهذه مسألة كلامية تمثّل أساس وقاعدة لبعض مسائل علم الأصول مثل حجية الظواهر وعدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
وتوضيح ذلك: إذا صدر خطاب من متكلّم حكيم كاللَّه تبارك وتعالى وكان لهذا الخطاب ظهور معيّن، فهل يمكن أن يريد خلاف ظاهر كلامه بدون الإتيان بقرينة على ذلك؟
والجواب بالنفي، لأنّ إرادة خلاف ظاهر الكلام بدون قرينة يعتبر لدى العقلاء عملًا قبيحاً، وبما أنّ اللَّه تعالى حكيم ولا يمكن صدور عمل قبيح من الحكيم، إذن فلا يمكن أن يريد خلاف ظاهر كلامه بدون قرينة، والنتيجة أنّ ظاهر كلام الحكيم وخطابه حجّة على المخاطبين، وعلى هذا الأساس فإنّ بحث حجّية ظواهر الكلام، الذي هو بحث أصولي، يستخرج من قاعدة كلامية.
وبعبارة أخرى: وردت في علم الأصول هذه المسألة: هل يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة أم لا؟ ذهب البعض إلى امتناع ذلك، لأنّ هذا العمل يعتبر عملًا قبيحاً لدى العقلاء، والشارع الحكيم لا يرتكب فعل القبيح، ولذلك فإنّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وعليه فإنّ كلّ ما يقتضيه ظاهر اللفظ، من الإطلاق أو العموم فهو حجّة.
ويتّضح من هذا البيان أنّ الكثير من الفتاوى الفقهية
[١]. قوانين الأصول، ج ٢، ص ٣٩٢.
[٢]. كنموذج، يمكن مراجعة هذه المصادر: الإحكام في أصول الأحكام، ج ٢، ص ٣٩٧؛ الفوائد الحائرية، ص ٣٣٦؛ مبادئ الوصول إلى علم الأصول، ص ٢٤١.
[٣]. المستصفى، ج ٢، ص ٢٠٢.
[٤]. المحصول للفخر الرازي، ج ٢، ص ٤٣٥.
[٥]. الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، ج ١، ص ٢٧٧.
[٦]. نهاية الأفكار، ج ٤، ص ٢٢٧؛ مصباح الأصول، ج ٣، ص ٤٤٣.