موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٩ - أ) حلّ التعارض الظاهري الموجود في السيرة النظرية والعملية للمعصومين عليهم السلام
ومن بين الروايات التي تقرّر تحليل الخمس والعفو عنه فهناك أخبار صحيحة من حيث السند وصريحة من حيث الدلالة، مثل صحيحة فضل [١] عن الإمام الباقر عليه السلام الذي ينقل عن أميرالمؤمنين عليّ عليه السلام أنّه قال:
«... إنّ شيعتنا من ذلك وآباءهم في حلّ» [٢].
والطائفة الثانية تؤكّد على ضرورة دفع الخمس والمطالبة به؛ مثل رواية محمّد بن زيد الطبري عن الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام في جوابه عن أحد تجّار فارس في سؤاله عن حكم الخمس قال:
«إنّ الخمس عوننا على ديننا وعلى عيالنا وعلى موالينا وما نبذله ونشتري من أعراضنا ممّن نخاف سطوته فلا تزووه عنّا ...» [٣].
ولا شكّ في أنّ اختلاف هاتين الطائفتين من الروايات ناشىء من الاختلاف في الظروف الزمانية لكلّ من الإمام الباقر والإمام الرضا عليهما السلام.
٢. مضافاً إلى الآيات القرآنية، فإنّ الروايات الإسلامية تدلّ أيضاً على أنّ المسلمين في صدر الإسلام أُمروا بالهجرة، أي أنّهم يجب عليهم التحرّك والتوجه إلى المدينة من أيّ مكان أسلموا فيه، ولكن ورد في بعض الروايات عدم وجوب الهجرة، بل إنّ هذا الحكم مقيّد بأن لا هجرة بعد فتح مكّة.
هنا لا يوجد أيّ تنافٍ وتعارض بين هاتين الروايتين، لأنّ الهجرة كانت مختصّة بزمان كان عدد المسلمين فيه قليلًا وكانت المدينة مركز الإسلام ويجب تقوية هذا المركز، ولكن بعد فتح مكّة وسيطرة الإسلام على جزيرة العرب، فإنّ الهجرة فقدت غرضها وانتهى مفعولها.
٣. ونقرأ في حديث شريف أنّ النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله كان يرى استحباب الخضاب للرجال، ولكن عندما سئل الإمام عليّ عليه السلام عن الخضاب قال:
«إنّما قال صلى الله عليه و آله ذلك والدّينُ قُلّ، فأمّا الآن فقد اتّسع نطاقه وضرب بجرانه فامرؤ وما اختار» [٤].
٤. اختلاف كلّ واحد من المعصومين عليهم السلام في أسلوب مواجهته للحكومات الظالمة، مع الأخذ بنظر الاعتبار الظروف الزمانية والمكانية والقدرة القتالية لأتباعهم، ومن هنا يختار أحدهم «الحرب» والآخر «الصلح والحياد».
٥. ورد في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام في جوابه عن سؤال حفظ لحوم الأضاحي في منى أكثر من ثلاثة أيّام، فقال:
«لا بأس بذلك اليوم، إنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله إنّما نهى عن ذلك أوّلًا لأنّ النّاس كانوا يومئذٍ مجهودين» [٥].
٦. أحياناً نرى أنّ السيرة العملية لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله أيضاً تختلف بحسب الأوضاع والمتغيرات الزمانية، مثلًا السنوات الأولى من البعثة أجاز رسول اللَّه صلى الله عليه و آله للمسلمين في تلك الظروف الصعبة وفي مقابل أذى المشركين أن لا يواجهوهم من موقع القوةّ واستخدام العنف، بل أمرهم بالصبر والثبات، ولكن بعد هجرته إلى المدينة وتشكيل الحكومة وتوفّر العدّة والعدد، فإنّه في مقابل أذى المشركين أمر المسلمين بالجهاد والمقاومة الشديدة [٦].
[١]. محمّد بن مسلم، زرارة وأبوبصير.
[٢]. وسائل الشيعة، ج ٦، ص ٣٧٩، ح ١.
[٣]. المصدر السابق، ج ٦، ص ٣٧٥، ح ٢.
[٤]. نهج البلاغة، الحكمة ١٧.
[٥]. وسائل الشيعة، ج ١٠، ص ١٤٩، ح ٥.
[٦]. وقد شرعت مراحل الجهاد بالتدريج أيضاً، المرحلة الأولى. إذن الدفاع: «أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ...». (سورة الحج، الآية ٣٩).
المرحلة الثانية. إبعاد المتعرضين عن المسلمين: «فَإِنْ لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ ...». (سورة النساء، الآية ٩١).
المرحلة الثالثة. قتال مَن حولهم من الأعداء: «... قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ الْكُفَّارِ ...». (سورة التوبة، الآية ١٢٣).
المرحلة الرابعة. الحرب الضارية: «وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَاتَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للَّهِ». (سورة البقرة، الآية ١٩٣).