موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٣ - ٤ تأثير الزمان والمكان في فهم النصوص (التفسير العصري)
إنّ الباعث على هذا الفهم الجديد والذي جعل الفقيه يغيّر الفتوى، هو التأمّل الجديد في النصوص والزحام الشديد حول الجمرات الذي يقترن غالباً بإزهاق نفوس الحجّاج والإضرار بهم، هذه الأزمة أدّت إلى أن ينظر الفقيه بشكل آخر إلى النصوص الإسلامية الأصيلة، ويحقّق أكثر في معنى «الجمرة» حيث اتّضح أنّ الجمرة في اللغة لا تعني العمود الحجري، بل بمعنى مجمع الحصى، وعلى أيّة حال فإنّ الظروف الجديدة والازدحام الشديد وخلال سنوات مديدة أثارت هذا السؤال ودعت الفقهاء للبحث في مطاوي النصوص من موقع التعمّق و التدبّر حيث انتهى هذا التحقيق لكسب فهم جديد للنصّ ومدلول مفردة «جمرة» واتّضح أنّ هذه الفتوى لم تصدر على أساس العسر والحرج، بل تقوم على أساس فتح أفق جديد في المراد من النصّ يستخدمه الفقيه في مقام الاستنباط.
٢. إنّ كلمة «بيع» كانت تعني فيما مضى نقل الأعيان أو تبادل مال بمال، ولكنّ ظهور المتغيرات الجديدة وبروز ما يسمّى بالحقوق المعنوية أدّى إلى فهم جديد للبيع، حيث أصبح يصدق على المعاوضة في دائرة الحقوق، كبيع حقّ «السرقفلية» أو «بيع حقّ النشر»، أو «بيع حقّ الاختراع»، «حقّ التأليف» وأمثال ذلك.
إنّ المتغيرات الجديدة وظهور حقوق جديدة في فضاء المجتمعات البشرية جعلت الفقيه يتحرّك على مستوى إعادة النظر في حقيقة البيع، وبالتالي يفتي بجواز بيع الحقوق والامتيازات [١].
٣. ظهور الحكومة الدينية بمنهجها الفقهيّ، وحكومة الفقه والفقيه أدّى إلى خلق رؤية جديدة للنصوص الدينية بحيث فتح الكثير من التعقيدات في طريق الحكومة الدينية وإيجاد حلول للمشاكل الموجودة في إطار الأحكام الإسلامية بالمسائل المستحدثة كما في مسألة المصارف، التضخّم الاقتصادي، ضعف القدرة الشرائية للنقود، المسائل المتعلّقة بمؤسّسة الإذاعة والتلفزيون، الفنّ، السينما والمسرح، حضور النساء في عرصة النشاطات الاجتماعية والسياسية، وغير ذلك، بل إنّ بعض الفتاوى السابقة تمّ تجديد النظر فيها على أساس هذه المتغيّرات.
وأحد النماذج البارزة لهذا الفهم الجديد ما يتعلّق بطهارة أهل الكتاب، فالكثير من الفقهاء المعاصرين، وخلافاً لفقهاء مرحلة ما قبل الحكومة الإسلامية، أفتوا بطهارتهم، وإن كانت هذه الفتوى لها سابقة لدى القدماء وبشكل نادر. ويبدو أنّ مشكلات العصر وكذلك سعة الارتباط الثقافي والسياسي مع أهل الكتاب في اللقاءات الخارجية، أدّت إلى أن يتحرّك الفقيه من موقع العمق والدقّة في فهمه للنصوص التي كان يستوحي منها نجاسة الكفّار سابقاً وجعلته يفتي بطهارتهم. وليس ذلك إلّابسبب الحاجة الملحّة وضغوط التحديّات المفروضة على الواقع الإسلامي والنشاط السياسي للحكومة الإسلامية وزيادة الإرتباط مع أهل الكتاب، ومن المعلوم أنّ ذلك لا يعني تغيير حكم اللَّه وفرض الآراء الشخصية على الشريعة، بل بمعنى الكشف عن الحكم الواقعي الذي كان مطموراً في السابق وغير ظاهر للعيان (فتدبّر).
٤. الزحام الشديد في الطواف وزيادة عدد الحجّاج بشكل ملحوظ، أدّى إلى تجديد النظر في حدود دائرة المطاف، وهذا أيضاً ليس من باب العسر والحرج، بل
[١]. طبقات الفقهاء لآية اللَّه جعفر السبحاني، مقدّمة، ص ٣٢٤.