موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤١ - ٥ الروايات التي تعلم طريق الاجتهاد والاستنباط
د) عن موسى بن بكر قال:
«قلتُ لأبي عبداللَّه عليه السلام:
الرَّجُلُ يُغْمى عَلَيهِ يَوماً أو يومين أو ثَلاثَة أو أكثَر ذلك، كَم يَقْضِي مِن صَلاتِه؟ فقال: ألَا أُخْبِرُك بِما يَنْتَظِمُ هذا وأشْباهَه؟ فقال: كُلُّ ما غَلَبَ اللَّهُ عَلَيهِ مِن أمْرٍ فَاللَّهُ أعْذَرُ لِعَبْدِهِ وهذا مِن الأبوابِ الّتي يَفْتَحُ كُلُّ بابٍ مِنْها ألف باب» [١].
وطبقاً لهذه الرواية فإنّ الإمام الصادق عليه السلام علّم موسى بن بكر أصلًا كلّياً بحيث يمكنه استنباط الكثير من المسائل منه، وهذا لا يعني سوى «انفتاح باب الاجتهاد» وجواز الاستنباط.
ه) روى «حيّون» أحد أصحاب الإمام الرضا عليه السلام أنّه قال:
«مَنْ رَدَّ مُتَشابِهَ القُرآنِ إلى مُحْكَمِه هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ»
. ثم قال:
«إنَّ فِي أخْبارِنَا مُتَشابِهاً كَمُتَشابِه القُرآنِ وَمُحْكَماً كَمُحْكَمِ القُرآنِ، فَرُدُّوا مُتَشابِهَها إلى مُحْكَمِها وَلا تَتَّبِعوا دونَ مُحْكَمِها فَتَضِلُّوا» [٢].
يدلّ هذا الحديث على انفتاح باب الإجتهاد بطريقة أخرى.
و) وينقل ابن أبي حاتم [٣] و «البيهقي» عن «الدئلي»، قال: إنّ عمر بن الخطاب رفعت إليه امرأة ولدت لستّة أشهر فهمّ برجمها، فبلغ ذلك عليّاً عليه السلام فقال: ليس عليها رجم، فبلغ ذلك عمر فأرسل إليه فسأله فقال: قال اللَّه تعالى: « «وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ» [٤] وقال تعالى: «وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً» [٥]
فَسِتَّةُ أشْهُرٍ
حَمْلُهُ، وَحَوْلَينِ، فذلِك ثَلاثونَ شَهْراً، فخَلّى عنها» [٦].
وهنا نرى أنّ أميرالمؤمنين الإمام عليّ عليه السلام أبرز كيفية استخراج الحكم الشرعيّ من خلال الاستدلال بالآيتين، ويتّضح من ذلك أنّه من خلال ضمّ آيات القرآن لبعضها يمكن استنباط الأحكام الشرعيّة، أليس ذلك بمعنى انفتاح باب الاجتهاد؟
ز) وينقل أبان، عن سليمان بن هارون أنّه قال:
سمعت الإمام الصادق عليه السلام يقول:
«مَا خَلَقَ اللَّهُ حَلالًا ولا حَراماً إلّاولَهُ حَدٌّ كَحَدِّ الدّارِ، فَما كانَ مِنَ الطَّريقِ فَهُوَ مِنَ الطَّرِيقِ، ومَا كَانَ مِنَ الدّارِ فَهُوَ مِنَ الدّارِ حتّى أرْشُ الخَدْشِ فَما سِواهُ، والجِلْدَةُ ونِصْفُ الجِلْدَةِ» [٧].
أليس المراد من هذه الرواية هو أنّ جميع جزئيات وتفاصيل الأحكام الشرعية التي يحتاجها الناس موجودة في القرآن والروايات الإسلامية، أو وجود قواعد كلّية وأصول عامّة في النصوص الشرعيّة يمكن من خلالها استنباط أحكام المسائل التي لم يرد فيها نصّ! وبديهيّ أنّ المراد هو الاحتمال الثاني.
ح) ورد عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال في حجّة الوداع ضمن خطبة له:
«لَيْسَ مِن عَمَلٍ يُقَرِّبُ إلى الجَنَّةِ إلّاوقَد أمَرْتُكُمْ بِه وَلا عَمَلٍ يُقَرِّبُ إلى النّارِ إلّاوقَد نَهَيْتُكُم عنهُ» [٨].
ويستفاد من هذا الحديث أيضاً أنّ أصول وكلّيات
[١]. بحار الأنوار، ج ٢، ص ٢٧٢.
[٢]. المصدر السابق، ص ١٨٥.
[٣]. محمّد بن إدريس الحنظلي المعروف بابن أبي حاتم الذي قال في حقّهعلماء أهل السنّة: كان إماماً حافظاً من مشاهير العلماء (وذلك بسبب قدرة حفظه وحفظ القرآن والأحاديث) ولذا يسمي بحافظ المشرق. (الكنى والألقاب، ج ١، ص ٤٤).
[٤]. سورة البقرة، الآية ٢٣٣.
[٥]. سورة الأحقاف، الآية ١٥.
[٦]. تفسير ابن أبي حاتم، ج ٢، ص ٤٢٩؛ السنن الكبرى، ج ٧، ص ٤٤٢؛ الغدير، ج ٦، ص ٩٣.
[٧]. الكافي، ج ١، ص ٥٩.
[٨]. المستدرك على الصحيحين، ج ٢، ص ٥. ووردت هذه الرواية في الكافي، ج ٢، ص ٧٤ باختلاف يسير.