موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٥ - الفصل الثاني المعطيات للحكم بالانسداد
بالنسبة لفتاوى الأئمّة الأربعة مسدود فقط، بمعنى أنّه إذا كانت هناك فتوى من قِبل الأئمّة الأربعة فلا أحد له الحقّ في إبداء رأي جديد أو فتوى مخالفة فلا يقبل منه، ولكن في الموارد التي لم ترد فيها فتوى فإنّ باب الاجتهاد مفتوح، وهنا نشير إلى بعض هذه الموارد:
١. جاء في كتاب «ارشاد النقاد»:
«إنّ الشيخ تقي الدين، أبوعمرو عثمان بن عبدالرحمن الشهرزوري المعروف بابن صلاح (٥٧٧ ٦٤٣)، كان من الأشخاص الذين يرون وجوب تقليد الأئمّة الأربعة وسدّ باب الاجتهاد بعدهم» [١].
ومن الواضح من هذا الكلام أنّه يخصّ الموارد التي وردت فيها فتوى منهم، لا في الموارد التي لا توجد فتوى منهم، وعليه فإنّ مفهوم هذا الكلام هو أنّه عندما لا توجد هناك فتوى من هؤلاء الأئمّة، فالآخرون يمكنهم إظهار نظرهم والعمل باجتهادهم.
٢. يقول صاحب كتاب «الموافقات»، إبراهيم بن موسى المالكي الشاطبي (م ٧٩٠):
«إنّ الوقايع في الوجود لا تنحصر، فلا يصحّ دخولها تحت الأدلّة المنحصرة، ولذلك احتيج إلى فتح باب الاجتهاد من القياس وغيره فلابدّ من حدوث وقائع لا تكون منصوصاً على حكمها ولا يوجد للأوّلين فيها اجتهاد ... فإذاً لابدّ من الاجتهاد في كلّ زمانٍ لأنّ الوقائع المفروضة لا تختصّ بزمانٍ دون زمانٍ» [٢].
٣. جاء في كتاب «الأصول العامة للفقه المقارن» نقلًا عن قول صاحب «الأشباه»:
«فقد صرّح في التحرير أنّ الإجماع انعقد على عدم العمل بمذهب مخالف للأربعة، لانضباط مذاهبهم وكثرة أتباعهم» [٣].
ومن الواضح أنّ مقولة الاستحكام في الفتاوى إنّما تكون واردة فيما إذا كانت الفتاوى صادرة، وأمّا في الفتاوى غيرالصادرة، فيحتاج الفقيه إلى عنصر الاجتهاد.
٤. ويقسّم صاحب كتاب «القول المفيد» أتباع المذهب «الزيدي» إلى قسمين: فمنهم من ذهب إلى الانفتاح العامّ، ومنهم من ذهب إلى الانفتاح الخاصّ.
ويقول:
«بخلاف غيرهم من المقلّدة فإنّهم أوجبوا على أنفسهم تقليد المعيّن واستراحوا إلى أنّ باب الاجتهاد قد انسدّ» [٤].
ويقول في مكان آخر:
«أما الاجتهاد المطلق فقالوا: اختتم بالأئمة الأربعة حتّى أوجبوا تقليد واحدٍ من هؤلاء على الأمّة» [٥].
والنتيجة: أنّ الكثير من القائلين بانسداد باب الاجتهاد ذهبوا إلى أنّ مورده ما كان هناك فتوى صادرة من الأئمّة الأربعة فقط، وأمّا في الموارد الأخرى فإنّ باب الاجتهاد مفتوح في رأيهم. وهذا هو ما يقتضيه منطق العقل أيضاً، لأنّه في غير هذه الصورة فإنّ المسائل المذكورة تبقى بدون حكم شرعيّ.
الفصل الثاني: المعطيات للحكم بالانسداد
ومن خلال دراسة أدلّة «انفتاح باب الاجتهاد» يستفاد أنّ الاعتقاد بانسداد باب الاجتهاد قد أدّى
[١]. ارشاد النقاد، ص ٤٦- ٤٨.
[٢]. الموافقات، ج ٤، ص ١٠٤؛ إرشاد النقاد، ص ٣٥.
[٣]. الأصول العامة للفقه المقارن، ص ٦٠١.
[٤]. القول المفيد، ص ٦٢.
[٥]. ارشاد النقاد، ص ٢٦ و ٢٧.