موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠ - مفردة الفقه في لسان الروايات
وفي موارد أخرى من استعمالات القرآن لهذه المفردة (١٩ مورداً آخر تقريباً) فإنّ شمول مفردة الفقه لغير المسائل الفرعية يتجلّى بشكل أوضح؛ لأنّه في جميع تلك الموارد وبدون استثناء نرى أنّ هذه المفردة استعملت في المسائل الاعتقادية والأخلاقية، نظير الآية ١٣ من سورة الحشر حيث تقرّر الآية أنّ قلّة الرهبة من اللَّه في مقابل الرهبة والرعب من الخلق إنّما هو لقلّة الفقه: «لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّايَفْقَهُونَ».
ومن الجدير بالذكر أنّ هذه المحدودية «محدودية مفردة الفقه في المسائل الدينية» ليست محدودية في دائرة المفهوم، وبعبارة أخرى: إنّ هذه المفردة لا تتحدّد بمورد خاصّ في الآيات الكريمة بالنسبة لمعناها اللغوي، وعندما نرى بعض التحديد في المراد من قبيل «لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ» حيث يفهم من هذه المفردة اختصاصها بالمسائل الدينية؛ فذلك ببركة وجود كلمة «الدين» بعد جملة «ليتفقّهوا» أو لقرائن أخرى. وببيان ثالث: إذا كان الفقه في اللغة بمعنى البصيرة والإدراك الدقيق سواءً اتّصل بالمسائل الدينية أم لا، فإنّ هذه المفردة وردت في القرآن أيضاً بهذا المعنى بدون أيّ تغيير، رغم أنّ موارد استعمالها وردت كثيراً في القرآن الكريم وما يتّصل بالمسائل الدينية.
مفردة الفقه في لسان الروايات:
ومن خلال التأمّل في مجموع الروايات التي وردت فيها مفردة «الفقه» نصل إلى هذه النتيجة، وهي أنّ النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله والأئمّة المعصومين عليهم السلام استخدموا هذه المفردة- بالاقتباس من الآيات الكريمة وبالاستيحاء من استعمالات القرآن- سواءً ما ورد في قسم «ألف» من مفهوم هذه المفردة، أم ما ورد في قسم «باء» من حدود هذه الكلمة، بمعنى البصيرة والفهم الدقيق من جهة، وكذلك استخدمت في مجموعة الدين لا في خصوص الأحكام الفرعية من جهة أخرى، وأنّ الفقيه هو الذي يتمتّع بفهم دقيق وبصيرة نافذة لمجموع المسائل والمفاهيم الدينية سواء في مجال العقائد أو الأخلاق أو الأحكام، وكما يعبّر عنه في الاصطلاح أنّه عالم بالإسلام من جميع الجهات.
إنّ هذه النقطة تتجلّى أكثر بملاحظة روايات الفريقين التي تذكر بعض الخصائص لعنوان «الفقيه» وتعدّها من علائم وآثار الفقه، فإنّ الخصائص والعلائم المذكورة لا تترتّب قطعاً على معرفة أحكام الحلال والحرام وتفريعات الطلاق واللعان والبيع والإجارة بدون استيعاب المعارف والمعايير الأخلاقية من قبيل:
أ) جعل الناس والمخاطبين في حال من الخوف والرجاء وعدم السماح لليأس من رحمة اللَّه ولا للأمن من مكر اللَّه أن يجدا طريقهما إلى قلوبهم:
«الفَقِيهُ كُلُّ الفَقِيهِ مَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النّاسَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ وَلَمْ يُؤْيِسْهُم مِن رَوْح اللَّهِ عزَّوجَلّ ولم يُؤْمِنْهُم مِن مَكْرِ اللَّهِ» [١].
ب) الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة مع الالتزام بسنّة النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله:
«إنَّ الفَقِيهَ حَقَّ الفَقيهِ الزاهِدُ في الدُّنيا، الراغِبُ في الآخِرَةِ، المُتَمَسِّكُ بِسُنَّةِ النَّبيِّ صلى الله عليه و آله» [٢]
. أو ما ورد من صفة الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة بالاقتران مع البصيرة في الدين:
«إنَّما الفَقِيهُ، الزاهِدُ في الدُّنيا، الراغِبُ في الآخِرَةِ، البَصِيرُ بأمْرِ دِيْنِه المُداوِمُ على
[١]. نهج البلاغة، الحكمة ٩٠؛ كنزالعمال، ج ١٠، ص ١٨١، ح ٢٨٩٤٣؛ سنن الدارمي، ج ١، ص ٨٩ عن أميرالمؤمنين علي عليه السلام.
[٢]. الكافي، ج ١، ص ٧٠، ح ٨ عن الإمام الباقر عليه السلام.