موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٠ - ١ القياس
والنوع الثاني من الاجتهاد، يختصّ به جمهور أهل السنّة، ومنشأ الهاجس لدى الأخباريين واعتراضهم على الأصوليين الشيعة وإنكارهم للاجتهاد، هو عدم معرفة الفرق بين هذين النوعين من الاجتهاد.
أمّا أتباع الاجتهاد بالرأي فبالرغم من أنّهم يستدلّون على كلّ مورد من هذه الموارد بأدلّة من الكتاب والسنّة، ولكنّ الظاهر أنّ منشأ هذه الاجتهادات أمرين:
١. إنّ بعض الصحابة استعمل الاجتهاد بالرأي، في حين وقف صحابة آخرون موقفاً سلبيّاً من ذلك واعترضوا عليهم، وقد نقل عن ابن عبّاس وعبداللَّه بن مسعود أنّهم دعوا من يدّعي الاجتهاد بالرأي إلى المباهلة، وقد ورد في رواية عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام أنّه قال:
«لو كان الدّينُ بالرأي لكانَ المَسحُ على باطنِ الخُفِّ أولى من ظاهرِه» [١].
وممّن اشتهر في استعمال هذا النوع من الاجتهاد هو عمر بن الخطاب، وفي عصر ما بعد الصحابة، يعدّ أباحنيفة إمام أهل الرأي، ولهذا السبب فإنّ الكثيرين قد طعنوا فيه وأنكروا عليه هذا العمل [٢]، وتنسب مدرسة الرأي إلى فقهاء الكوفة في مقابل مدرسة الحديث لدى فقهاء المدينة [٣]، ومن جملة أصحاب مدرسة الرأي:
أبويوسف، ابن سماعة، أبومطيع البلخي وبشير المريسي [٤].
المنشأ الآخر، انسداد طريق الوصول للأحكام الشرعية بعد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله؛ فبعد الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله وانقطاع الوحي وانقطاع الناس عن أهل بيت الوحي، فإنّ الطريق للوصول إلى الأحكام الواقعية للشارع المقدّس قد اغلق على الفقهاء، وبذلك اشتدّت الحاجة إلى عملية الاجتهاد القائم على الرأي، وبعبارة أخرى، إنّ منشأ التورّط في الاجتهاد بالرأي هو تصوّر الإنسداد في الأحكام، لأنّ الوقائع والحوادث اليومية والمسائل المستحدثة كثيرة من جهة، وكان هؤلاء الفقهاء يتصوّرون أنّ النصوص الدينية قاصرة عن إيجاد الحلول لجميع الحاجات، أو الاستجابة لجميع هذه المسائل، ومن جهة أخرى، فإنّ الدين الإسلامي هو آخر الأديان الإلهيّة، حيث ينبغي أن يعيّن تكاليف العباد حتى قيام الساعة، حينئذٍ لابدّ من القول بحجّية مثل هذه الاجتهادات وفتح الطريق لاستنباط الأحكام لهذه المسائل.
كلّ ذلك في حين أنّ أتباع مدرسة أهل البيت يرون أنّ سنّة الأئمّة المعصومين عليهم السلام حالها حال سنّة رسول اللَّه صلى الله عليه و آله في حجّيتها، وتمتاز هذه المدرسة بثراء الأحاديث ووجود القواعد العامة والكلية القابلة للتطبيق على الوقائع الجزئية فيها، وكذلك تعيين وظيفة المكلّفين في موارد الشكّ وفقدان النصّ أو تعارض النصوص من خلال هذه القواعد الكلية [٥]. وعليه فلا يحتاج فقهاء هذه المدرسة لعملية الاجتهاد بالرأي، لأنّ الأصول التي ذكرت أعلاه كافية في رفع الانسداد المزبور.
على أيّة حال نشير هنا إلى مصاديق الاجتهاد بالرأي:
١. القياس
هو في الاصطلاح عبارة عن تعدية الحكم من
[١]. الإحكام في أصول الأحكام، ج ٤، ص ٤٧؛ سنن البيهقي، ج ١، ص ٢٩٢.
[٢]. تاريخ بغداد، ج ١٣، ص ٤١٣.
[٣]. مناهج الاجتهاد في الإسلام، ص ١١٥.
[٤]. المصدر السابق، ص ١١٧.
[٥]. انظر إلى بحث المسائل المستحدثة من هذا الكتاب.