موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩ - مفردة الفقه في الثقافة القرآنية
من فهم حقيقة كلماته، ولم يصدّقوا بتعاليمه فكانوا يقولون له: «مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ».
وكذلك ما ورد في الآية: «وَإِنْ مِّنْ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَّاتَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ» [١] فإنّه ليس المراد من ذلك أنّنا لانفهم شيئاً من خضوع و خشوع جميع الموجودات في مقابل اللَّه تعالى أو من تنزيه وتسبيح المخلوقات بالمقدار اللساني على الأقل، ولكنّ ما هو غير معلوم وغير مفهوم بالنسبة لنا، حقيقة وكنه تسبيح الموجودات الذي يعود بدوره إلى عدم الفقه وعدم الفهم الدقيق.
ومن هذا القبيل ما ورد فيالآية الكريمة في شأن الكفّار: «فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَايَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً» [٢] حيث يرى «الزركشي» أنّ هذه الآية تنقض المدّعى المذكور [٣]؛ ولكنه غير صحيح يقيناً لأنّهم لم يكونوا بمستوى لا يفهمون معنى أيّ كلام وحديث.
إنّ ما تقدّم من معنى أدقّ في دائرة المفاهيم القرآنية يتطابق مع سياق العديد من الآيات الكريمة من قبيل:
«... لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ...» [٤] و «انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ» [٥] و «طُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ» [٦] و «رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ... يَفْقَهُوا قَوْلِي» [٧] وغيرها، ولا سيّما عندما نقارن بين الآيتين ٩٧ و ٩٨ من سورة الأنعام فإنّ في الآية ٩٧ التي تتحدّث عن النجوم والأوضاع السماوية، لا تتطلّب مؤونة كثيرة وعناية لفهمها كما يقول العلّامة الطباطبائي في «الميزان» [٨] ولذلك ورد التعبير ب «قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» وفي قوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِى ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» أمّا في الآية ٩٨ التي تتحدّث عن النفس الإنسانية وتدعو للتعمّق في فهم أسرارها في قوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِى أَنشَأَكُمْ مِّنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ...» فمضافاً إلى البحوث النظرية، فإنّها تحتاج لمراقبة باطنية وتعمّق شديد وتثبّت بليغ، ولذلك ورد التعبير ب «قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ» في قوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ مِّنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَ مُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ».
ب) إنّ دائرة استعمال هذه المفردة في الآيات، لا يختصّ بالأحكام الفرعية، بل إنّ الفقيه القرآنيّ هو الذي يملك بصيرة لازمة وفهماً دقيقاً لمجموع قضايا الدين، سواء في المسائل العقائدية أو القضايا الأخلاقية أو المسائل الفرعية والعملية.
ويمكن استيحاء هذه الحقيقة من قوله تعالى في الآية ١٢٢ من سورة التوبة: «لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ»؛ حيث يتجلّى هذا المعنى بوضوح، لأنّه أوّلًا: إنّ «الدين» الذي تعلّق به التفقّه في الآية الكريمة، عبارة عن مجموع المسائل والقضايا الإسلامية: «إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ...» [٩].
ثانياً: إنّ صريح أو ظاهر الآية هو أنّ التفقّه في الدين يعدّ علّة لإنذار القوم، وبالتالي قبولهم للدين، وقطعاً فإنّ هذه الغاية المهمّة لاتتحقّق بمجرّد التعرّف على مسائل الحلال والحرام بدون معرفة المبدأ والمعاد والمسائل الأخلاقية.
[١]. سورة الإسراء، الآية ٤٤.
[٢]. سورة النساء، الآية ٧٨.
[٣]. المنثور في القواعد، ج ١، ص ٢.
[٤]. سورة التوبة، الآية ١٢٢.
[٥]. سورة الأنعام، الآية ٦٥.
[٦]. سورة التوبة، الآية ٨٧.
[٧]. سورة طه، الآية ٢٨.
[٨]. تفسير الميزان، ج ٧، ص ٢٩٠.
[٩]. سورة آل عمران، الآية ١٩.