موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٨ - و) الأصول العمليّة
«وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» [١] وقاعدة «لا ضرر» تستفاد من الحديث النبويّ المعروف
«لا ضرر ولا ضرار»
الذي ورد في أكثر المصادر الحديثية الإسلامية، ومفاد هذه القاعدة هو أنّ الأحكام التي تسبّب ضرراً على المسلمين فإنّها مرفوعة عنهم، وقاعدة حجّيّة قول ذي اليد، وهي القاعدة المتداولة بين جميع العقلاء والشارع المقدّس أيّد صحتها وأمضاها.
وهذه القواعد مهمّة جدّاً وتفتح الطريق للفقيه لحلّ الكثير من المشكلات الفقهية والتعقيدات في الحياة الفردية والاجتماعية والمسائل المستحدثة، التي لم يرد فيها نصّ خاصّ، فيستطيع الفقيه بمعونتها من حلّ هذه التعقيدات والمسائل، فإن لم يكن الفقيه يملك سلطة كاملة على القواعد الفقهيّة فإنّه يعجز عن إيجاد الحلول للكثير من المسائل في جميع أبواب الفقه ولاسيّما في المسائل المستحدثة [٢].
و) الأصول العمليّة
والمراد من الأصول العملية، الأصول والقواعد التي يرجع إليها الفقيه عند عدم وجود الأدلّة الشرعية المعتبرة، كالكتاب والسنّة والإجماع ودليل العقل، مثلًا عندما يشكّ في أنّ الموضوع الفلانيّ هل تتعلّق به الزكاة والخمس شرعاً أم لا؟ ولا يملك أيّ دليل من الأدلّة الأربعة في ذلك، فإنّه يرجع إلى «أصل البراءة»؛ أي أنّ الأصل هو أنّه ما لم يثبت التكليف والحكم الشرعيّ بدليل معتبر، فإنّه لا يجب على المكلّف شيء، أو إذا شك في وجوب أو حرمة عمل معيّن، أي لا يعلم أنّ هذا العمل واجب أو حرام، وليس لديه دليل معتبر على أيّ واحد من الطرفين، فإنّه يرجع إلى «أصل التخيير».
وإن كانت له في موارد الشكّ حالة سابقة، مثلًا يعلم أنّ العصير العنبيّ قبل غليانه على النار؛ طاهر، فعندما يشكّ هل أنّ الغليان يسبّب نجاسة العصير أم لا؟ وليس لديه دليل معتبر لإثبات النجاسة، فإنّه يستصحب الحالة السابقة ويحكم بطهارته.
وكلّ ما شكّ في شيء وكان لديه علم إجماليّ بالواجب أوالحرام في أطراف المشكوك، مثلًا يعلم أنّ السفر الذي يكون مقدّمة للعمل والكسب، فإنّ الصلاة واجبة في هذا السفر، ولكنّه لا يعلم هل أنّ هذه الصلاة تجب قصراً أو تماماً، وليس لديه دليل على أيّ واحد من هذين الطرفين، فهنا يجب العمل بأصل الاحتياط والجمع بين القصر والتمام ليحصل له اليقين ببراءة الذمة، لأنّ العلم الإجماليّ في الشبهات المحصورة يوجب الاحتياط.
وهذه الأصول الأربعة: البراءة، الاستصحاب، التخيير، الإحتياط، تمثّل أصولًا عملية أو أدلّة فقاهتية يرجع إليها المكلّف عند عدم الحصول على دليل معتبر في موارد الشكّ، وبذلك يتبيّن للفقيه حكمه وحكم مقلِّديه.
وبعبارة أخرى: لا يوجد انسداد للفقيه في عملية الكشف عن الأحكام الإسلامية، فإمّا أن يحصل على أدلّة اجتهادية معتبرة، أو ينتهي عمله إلى الشكّ. ففي الصورة الأولى فإنّه يفتي بمقتضى الدليل الشرعيّ، وفي الصورة الثانية يعمل بأحد الأصول الأربعة المذكورة حسب الموارد:
[١]. سورة الحج، الآية ٧٨.
[٢]. لمزيد من الاطلاع على القواعد الفقهيّة ومستمسكاتها وأدلّتها وفروعها ونتائجها يمكنكم الرجوع إلى كتاب القواعد الفقهيّة لآية اللَّه مكارم الشيرازي.