موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٣ - كيفية تحصيل السنّة
والنوع الآخر من الشهرة التي تعتبر عندهم من المرجّحات، هي شهرة الراوي، لا شهرة الرواية. فقالوا:
إذا كان الراوي للخبر مشهوراً أكثر من راوي الخبر الآخر، فإنّ خبره مقدّم، وقسّموا هذه الشهرة إلى عدّة أقسام:
أحدها: أن يكون الراوي من كبار الصحابة، وبما أنّه يتمتّع بمنصب عالٍ، فإنّ ذلك يمنعه من الكذب.
والثاني: أنّ من كان ذا إسم واحد فإنّه يرجّح على من كان ذا اسمين،
الثالث: إنّ الراوي المعروف النسب يقدّم على الراوي المجهول النسب.
الرابع: إذا كانت أسماء الرواة لا تشتبه بأسماء الأشخاص الضعفاء، فإنّ روايتهم ترجّح على الرواية التي يرويها من كانت أسماؤهم مشتبه بها [١]،
هكذا يقدّم الرواة المشهورون بالحفظ والضبط، أو من كانوا ثقاة وعدولًا، على غيرهم [٢].
ب) الشهرة العملية: وهي عبارة عن كون الرواية مشهورة بين الفقهاء في العمل بها والاستناد إليها [٣].
ويستفاد من هذه الشهرة في موردين: أحدهما، في المرجّحات في باب التعارض، فهناك قالوا: إذا كنّا نعتقد بأنّ الأقربية للواقع تعدّ من موارد الترجيح، فحينئذٍ تكون الشهرة العملية أحد المرجّحات، غاية الأمر، في صورة أن يكون العمل على طبق الرواية من قِبل القدماء من الفقهاء [٤]. والآخر، في مسألة جبران ضعف سند الرواية. يعني إذا كانت الرواية ضعيفة وفقاً للموازين المقرّرة، ولكنّ الكثير من الفقهاء أفتوا على طبقها، فعملهم هذا وفتواهم يجبر ضعف سند الرواية ويجعلها قابلة للاعتماد، كما أنّ الخبر الصحيح والمعتبر إذا لم يعمل به الفقهاء وأعرضوا عنه، فإنّ هذا الخبر يسقط من درجة الاعتبار. ولكنّ البعض كصاحب «المدارك» لم يقبل جبران الشهرة للخبر الضعيف، ولا إعراض الفقهاء في وهن السند [٥].
ج) الشهرة الفتوائية: وهي عبارة عن شيوع فتوى معيّنة لا تصل إلى حدّ الإجماع وفي مقابلها الفتوى الشاذّة. وقد ذهب بعض الأصوليين من الإماميّة إلى أنّ الشهرة الفتوائية تعتبر من الامارات المقبولة، وقالوا:
بالرغم من أنّ فتوى فقيه معيّن غير حجّة لإثبات الحكم لفقيه آخر، ولكنّ هذه الفتوى نفسها عندما تصل إلى حدّ الشهرة ويفتي بها الكثير من الفقهاء، فإنّ ذلك من شأنه أن يكون دليلًا على الحكم لفقيه آخر، حيث يستنبط الحكم الشرعيّ بذلك، وهذا هو ما ذهب إليه الشهيد الأوّل في «الذكرى» [٦].
ولكنّ البعض الآخر يرون عدم اعتبار الشهرة الفتوائية، ولا يعدّونها من منابع الاستنباط، وأمّا من يرى الشهرة الفتوائية حجّة، فقد ذكر لإثبات ذلك عدّة أدلة:
أحدها: أنّه إذا كان خبر الواحد حجّة فينبغي أن تكون الشهرة حجّة بطريق أولى، لأنّ الظنّ الحاصل من الشهرة أقوى بمراتب من الظنّ الحاصل من خبر الواحد [٧]. والآخر أنّه ورد في رواية زرارة وعمر بن
[١]. المحصول للفخر الرازي، ج ٥، ص ٤٢٠.
[٢]. التعادل والترجيح، ج ٢، ص ١٦٩.
[٣]. أنوار الاصول، ج ٢، ص ٤١٧.
[٤]. أصول الفقه، ج ٢، ص ٢٥٢.
[٥]. مصباح الأصول، ج ٢، ص ١٤٣.
[٦]. ذكرى الشيعة، مقدّمة المؤلّف، ج ١، ص ٥٢.
[٧]. أنوار الأصول، ج ٢، ص ٤١٧.