موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧١ - كيفية تحصيل السنّة
شخص معيّن أو فئة من الناس على عواطف وأحاسيس الناس إلى درجة يتحوّل هذا السلوك بالتدريج إلى عادة رسمية وعامّة وإن لم يكن لها منشأ إسلامي، وربّما لا يتّخذ العلماء والمتديّنون في بداية ظهور هذا العادة موقفاً منها بسبب تسامحهم أو غفلتهم أو خوفهم، وحتّى في صورة اتّخاذ موقف معيّن منها، فإنّه غير كافٍ في إلغاء هذه العادة وإزالتها، لأنّ تلك العادة تكون قد غلبت على الناس وتحرّك الناس في هذا الخطّ، وبسبب مرور الزمان فإنّ تلك العادة تركّزت في أذهانهم واشتدّت لدى عامة الناس وبلغ احترامها من قِبلهم إلى درجة أنّهم نسبوها إلى الإسلام والمسلمين. ومن هذا القبيل النفقات الباهضة التي تشاهد في هذا الزمان لبناء بعض المساجد [١].
ب) الطرق غير القطعية للحصول على السنّة:
قلنا أنّ هناك طرقاً غير قطعية للكشف عن السنّة، وهي بحدّ ذاتها غير معتبرة لأنّ الدليل على الحكم الشرعي يجب أن يكون قطعياً، فلا قيمة لمجرّد الاحتمال والظنّ في نظر العقل، ومن جهة أخرى فإنّ القرآن بدوره يقرّر هذه الحقيقة، وهي أنّ الظن لا اعتبار له ولا يصحّ اتباعه:
«إِنَّ الظَّنَّ لَايُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً» [٢].
«وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا» [٣].
ولكن إذا اتّخذت هذه الطرق غير القطعية صورة معقولة وكانت تعتمد على دليل قطعي لاعتبارها، فستكون حجّة، وفي هذه الصورة لا يكون العمل بها من قبيل اتّباع الظنّ.
والطرق غير القطعية المعتبرة كالتالي:
١. خبر الواحد: وهو الخبر الذي يكون عدد رواة كلّ طبقة منه. وحتّى في طبقة واحدة راوٍ واحد أو أكثر من واحد ولكنّه لا يبلغ حدّ التواتر ولا يورث القطع وهذا الخبر يسمّى بالاصطلاح «خبر الواحد».
ويعتبر بحث خبر الواحد من أهمّ البحوث في مصادر الاستنباط، ويختلف الفقهاء في حجّيته، فالسيّد المرتضى وابن زهرة وابن البرّاج والطبرسي وابن إدريس [٤] من فقهاء مدرسة أهل البيت عليهم السلام، ومن أهل السنّة القدرية وبعض الظاهرية [٥]، ينكرون حجّية خبر الواحد. بينما الشيخ الطوسي وأغلب كبار فقهاء الشيعة وجميع الأخباريين وجمهور أهل السنّة يرون حجّية خبر الواحد [٦].
وأمّا شروط حجيّة خبر الواحد فليس هناك رأي واحد، فقدماء الإمامية يرون الخبر معتبراً إذا كان محفوفاً بقرائن تدلّ على صحته، سواء كانت قرائن داخلية كوثاقة الراوي، أو خارجية كوجود الخبر في كتاب معتبر أو تكرار الخبر في كتاب واحد، والخبر غير المعتبر لديهم هو الخبر الذي لا يقترن بمثل هذه القرائن [٧]، وعلماء الشيعة منذ القرن السادس فلاحقاً ذهب بعضهم إلى اشتراط عدالة الرواة وبعض إلى وثاقتهم كشرط لحجّية الخبر، وعلى هذا الأساس قسّموا الأخبار إلى أربعة أقسام: الصحيح، الحسن،
[١]. اصول الفقه، ج ٢، ص ١٧٥.
[٢]. سورة النجم، الآية ٢٨.
[٣]. سورة الاسراء، الآية ٣٦.
[٤]. كفاية الأصول، ج ٢، ص ٧٩.
[٥]. روضة الناظر، ج ١، ص ٣١٣.
[٦]. المصدر السابق.
[٧]. انظر: مقياس الهداية في علم الدراية، ج ١.