موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٠ - كيفية تحصيل السنّة
أ) الطرق القطعيّة للتوصّل إلى السنّة
١. الخبر المتواتر: إنّ الروايات الشريفة وبسبب الفترة الزمانية بين أكثر الرواة في الأُمّة الإسلامية وبين المعصومين عليهم السلام، تتضمّن وسائط متعدّدة من الرواة لتتّصل بالمعصوم، وكلّما امتدة الفترة الزمنية بين الناس والمعصوم، فإنّ ذلك يعني زيادة عدد الوسطاء من الرواة. ويصطلح على كلّ واسطة في علم الرجال ب «طبقة». فالخبر المتواتر هوالذي يتوفّر في كلّ طبقة منه جماعة من الرواة لا يمكن عادةً توافقهم على الكذب وجعل الخبر، ومن هنا كان التواتر مورثاً لليقين.
ويقسم التواتر إلى ثلاثة أقسام: الأوّل: التواتر اللفظي، وهو عبارة عن الخبر الذي يرويه جميع الرواة بنفس الألفاظ. الثاني: التواتر المعنوي، وهو الخبر الذي يروي معناه ومدلوله التضمّني أو الالتزامي جميع الرواة مع اختلاف الألفاظ. الثالث: التواتر الإجمالي، وهو عبارة عن الاطمئنان بصدور أحد الأخبار على نحو الإجمال بدون أن يتمّ تشخيص الخبر بعينه وإن لم تكن هناك نقطة اشتراك بين هذه الأخبار في المضمون [١].
٢. الخبر الواحد المقترن بالقرينة القطعية: وهو الخبر الذي لم يصل إلى حدّ التواتر، فهو خبر واحد في الاصطلاح. وأحياناً يقترن هذا الخبر بقرائن تفضي إلى اليقين بصدوره عن المعصوم. ويرى الأخباريّون أنّ روايات الكتب الأربعة (الكافي، الاستبصار، التهذيب، ومن لا يحضره الفقيه) كلّها من قبيل الخبر الواحد المحفوف بالقرينة، ولذلك ذهبوا إلى حجّيتها جميعاً، وعلى هذا الأساس أنكروا تقسيم روايات هذه الكتب إلى: صحيح وضعيف ومرسل ومرفوع و ... [٢]. ويرى أكثر أهل السنّة مثل هذه الرؤية لجميع روايات كتب الصحاح الستّة وخاصّة صحيح البخاري وصحيح مسلم فهي حجّة كلّها لديهم.
٣. الإجماع: الإجماع يعتبر حجّة في مذهب الإماميّة من جهة كونه كاشفاً عن رأي المعصوم، وهو مثل الخبر المتواتر أو الخبر المحفوف بالقرينة من حيث كونه كاشفاً عن السنّة، ولكن بما أنّ أهل السنّة يرون الإجماع دليلًا مستقلّاً، فنحن جعلناه في عرض الأدلّة الأربعة، وسنبحث لاحقاً عن مسلكين في الإجماع.
٤. سيرة العقلاء: إنّ سيرة وبناء العقلاء، عبارة عن استمرار عادة جميع الناس من المسلمين وغير المسلمين على أداء عمل أو تركه، وفي صورة اعتبارها دليلًا على الحكم الشرعي إذا ثبت إمضاء المعصوم لهذه السيرة، ويكفي لإثبات إمضاء المعصوم مجرّد عدم ردع الشارع وعدم نهيه عن هذه السيرة [٣]، لأنّه إذا كانت السيرة تمثّل عملًا حراماً فينبغي على المعصوم النهي عنها.
٥. سيرة المسلمين: وهي طريقة عمل الأشخاص الملتزمين بالدين بالنسبة لفعل معيّن أو تركه، ويعتبر ذلك نوع من الإجماع العمليّ للمسلمين. وهذه السيرة إذا كانت متّصلة بزمان المعصوم فهي حجّة، لأنّها كاشفة عن صدور قول أو فعل من قِبل المعصوم عليه السلام في هذا الشأن.
وأمّا لو لم يعلم اتّصالها بزمان المعصوم عليه السلام فهذه السيرة ليست بحجّة وإن ظهرت بصورة عادة معمول بها في المجتمعات الإسلامية، لأنّه أحياناً يؤثّر سلوك
[١]. مصباح الأصول، ج ٢، ص ١٩٢.
[٢]. الحدائق الناضرة، ج ١، ص ٢٣.
[٣]. أصول الفقه، ج ٢، ص ١٧١.