موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٠ - المرحلة الثالثة عصر تحول في ميدان التفقّة و الإجتهاد
المقارن» أيضاً؛ وذلك بأن تذكر موارد الاختلاف في المسائل الفقهية مع المذاهب الأخرى. وفي هذا المجال كتب الشيخ المفيد كتاب «الإعلام» وكتب السيّد المرتضى كتابي «الانتصار و الناصريات» [١].
المرحلة الثالثة: عصر تحول في ميدان التفقّة و الإجتهاد
وتبدأ هذا المرحلة من عصر الشيخ الطوسي (م ٤٦٠)، وبالتحديد فإنّها تبدأ منذ أن أُجبر الشيخ الطوسي على الهجرة من بغداد إلى النجف الأشرف.
ويعتبر شيخ الطّائفة محمّد بن الحسن الطوسي من التلاميذ البارزين للشيخ المفيد والسيّد المرتضى، وقد تتلمذ عليهما مدّة مديدة، فقد كان ملازماً للسيّد المرتضى مدّة ٢٣ عاماً، وبعد رحلة السيّد المرتضى استلم زعامة أتباع أهل البيت، حيث كانوا يقصدونه من جميع المناطق. وقد كانت بغداد في ذلك الوقت مركز التشيع إلى حين حدوث الفتنة ووقوع الاضطرابات فيها.
وقد بدأ الشيخ الطوسي أيضاً بكتابة كتبه الفقهية على منهج القدماء بشكل مختصر وبالاستفادة من الروايات والنصوص، وبدون أن يفرّع عليها فروعاً واسعاً، ومن جملة كتبه هذه «النهاية».
وبعد وقوع الاضطرابات في بغداد وتهديد الشيخ الطوسي نفسه، تحرّك هذا الفقيه الكبير في عام ٤٤٨ للهجرة، وهاجر إلى النجف الأشرف وأسس حوزة علمية هناك [٢].
وقد خلق الشيخ الطوسي، بما يتمتّع به من حذاقة ومهارة في العلوم الإسلامية المختلفة كالتفسير، والرجال، والأصول والفقه، تحوّلًا جديداً في الفقه الإسلاميّ [٣] وفي هذا العصر تغيّر منهج الكتب الفقهية عمّا كان سائداً ومتداولًا على شكل تدوين النصوص، وأضيفت إلى المسائل الفقهية فروع جديدة، وقد استخدم في جميع هذه الفروع والمسائل الاستدلال بالروايات وقواعد الأصول العقلية بشكل كامل.
وقد كانت بداية هذا التحوّل من قِبل الشيخ الطوسيّ وبتأليف كتاب المبسوط،. حيث كتب في مقدّمة هذا الكتاب: «فإنّي لا أزال أسمع معاشر مخالفينا المتفقّهة والمنتسبين إلى علم الفروع يستحقرون فقه أصحابنا الإمامية يستنزرونه وينسبونهم إلى قلّة الفروع وقلّة المسائل، ويقولون: إنّهم أهل حشو ومناقضة، وإنّ مَن ينفي القياس والاجتهاد لا طريق له إلى كثرة المسائل، ولا تفريع على الأصول ...».
ثم أضاف: «وكنت على قديم الوقت وحديثه متشوّق النفس إلى عمل كتاب يشتمل على ذلك تتوق نفسي إليه، فيقطعني عن ذلك القواطع وتشغلني الشواغل، وتضعف نيّتي أيضاً فيه قلّة رغبة هذه الطائفة فيه، وترك عنايتهم به لأنّهم ألّفوا الأخبار وما رووه من
[١]. موسوعة الفقه الإسلامي، ج ١، ص ٤٩.
[٢]. كتب ابن الجوزي عن هذه الحوادث في هذه المرحلة وذكر في عام ٤٤٨ في مساجد بغداد، في الأذان «حيّ على خير العمل» بدلًا عن «الصلاة خير من النوم». وكتب على أبواب البيوت «محمّد وعلي خير البشر». فأمر بقتل أبيعبداللَّه بن جلّاب، رئيس بياعي الأقشمة في «باب الطاق» في بغداد؛ لأنّه كان غالياً في الرفض. فقتل وصلب على باب دكانه. وفرّ أبو جعفر الطوسيمن بغداد وهدم داره. (المنتظم، ج ١٦، ص ٧ و ٨).
وكتب ابن الأثير أيضاً: في سنة ٤٤٩ ه، نهبت دار أبيجعفر الطوسي بالكرخ وهو فقيه الإماميّة، وأُخذ ما فيها وكان قد فارقها إلى المشهد الغربي (أي النجف) (الكامل ابن الأثير، ج ٩، ص ٦٣٧ و ٦٣٨).
[٣]. انظر: روضات الجنّات، ج ٦، ص ٢١٦-/ ٢٤٩؛ أعيانالشيعة، ج ٩، ص ١٥٩-/ ١٦٧.