فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٥٩ - نظريّة السنّة أو خبر الواحد في مدرسة الاُصول الشيعية / ١ / الشيخ حيدر حب اللّه
يقرّ السيد المرتضى بإمكان التعبّد بخبر الواحد عقلاً ولا يرى ذلك أمراً مستحيلاً (١٤)، خلافاً لجماعة كابن قبة والجبّائي ممن أثاروا إشكاليات على مبدأ التعبد بالظن عموماً ، ويتخطّى المرتضى هذا الحاجز العقلي ، ليثبت حتى وجوب العمل بالخبر الذي لا يُعلم أن مخبَره على ما تناوله المخْبِر ، على حد تعبيره ، الأمر الذي يشمل أخبار الآحاد الظنية عموماً ، هذا الوجوب تارة يكون عنده ( المرتضى ) عقلياً ، كالخبر الذي يتعلّق بالمضار والمنافع ، واُخرى شرعياً كما في موارد الشهادات بلا خلاف أو الخبر الواحد على خلاف (١٥).
ويحاول المرتضى ـ انسياقاً مع الجوّ الاُصولي العام آنذاك ـ أن يؤكّد ظنية خبر الواحد ، فيصرّ على أنه لا يوجب علماً خلافاً للنظّام ، وإنما غلبة الظن بالصدق إذا كان المخبر عدلاً ، معرّضاً بمن سمّى التصديق الناتج عن الخبر بالعلم الظاهر ، بأن هذا مجرّد خلاف في عبارة ، إذ سمّى غالب الظن علماً (١٦).
لكن ، ورغم أخذه بالخبر المتواتر المفيد للعلم بشروط منها الكثرة ، وعدم التواطؤ على الكذب ، وعدم الشبهة (١٧)، إلا أنه ينفي ورود العبادة بالخبر الواحد مع إمكانها حتى لو كان الراوي في غاية العدالة على حدّ تعبيره (١٨)، قائلاً : « الصحيح أن العبادة ما وردت بذلك ( التعبّد بخبر الواحد ) . . . والذي يدل على صحّة ما ذهبنا إليه ، أنه لا خلاف بيننا وبين محصّلي ( محققي ) مخالفينا في هذه المسألة أن العبادة بقبول خبر الواحد والعمل به طريقة الشرع ( الشريعة ) والمصالح ، فجرى مجرى سائر ( كسائر ) العبادات الشرعية في اتباع المصلحة ، وأن العقل غير دالّ عليه ، وإذا فقدنا في أدلة الشرع ما يدل على وجوب العمل به ( بما ) ، علمنا انتفاء العبادة به ، . . . ويمكن أن يستدل بمعنى هذه الطريقة بعبارة أخرى ، وهو أن نقول ( يقول ) : العمل بالخبر لا بدّ من أن يكون تابعاً للعلم ، فإما أن يكون تابعاً للعلم بصدق الخبر ، أو العلم ( للعلم ) بوجوب العمل به مع تجويز الكذب ، وقد علمنا أن خبر الواحد لا
(١٤)السيد المرتضى ، الذريعة إلى أصول الشريعة ، تصحيح وتعليق أبو القاسم كُرجي ٢ : ٤٣و ٥٢ـ ٥٣و ١٨١، نشر : دانشكَاه طهران ، ١٩٨٤م . وانظر : رسائل الشريف المرتضى ١ : ٢٠٢و ٢ : ٣٠.
(١٥)المصدر نفسه : ٧ .
(١٦)المصدر نفسه : ٣٤و ٤١ـ ٤٢و ٢٣٨و ٢٤١و ١ : ٦٩و ١٨٦و ٢٤٣ـ ٢٤٤، ورسائل الشريف المرتضى ١ : ٤٦ـ ٥٢و ٥٣ـ ٥٦، بل يرى السيد في رسائله ٣ : ١٢٥أن الصدق في أخبار الآحاد أقلّ كثيراً من الكذب .
(١٧)المصدر نفسه : ٢٢ـ ٢٣.
(١٨)رسائل الشريف المرتضى ٣ : ٢٦٩ـ ٢٧٠، ولاحظ نفيه التعبد في ١ : ٢٠٣، و ٣ : ٣٠٩، وهو ظاهر كلامه في ٢ : ٤٧و ٣٥١في جوابات المسائل الرسية الأولى ، وقال : إن أخبار الآحاد لا يعمل عليها في الشريعة كما في الانتصار : ١٢٠و ١٨٢و ٣٠٥و ٣٤٤و ٤١٤و ٤٢٤و ٤٢٧و ٤٣٥، وظاهر ٥٢٩، وصرّح بأنه حتى لو كان الآحاد عدولاً : ٣٧٦، وأنها لا توجب العلم والعمل : ٢٣٥و ٣١١، حتى لو كانت قويّة : ١٣٨.