القضاء و الشهادات - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٢٦٢ - استناد الشاهد إلى الاستصحاب المعتبر عند الحاكم
فالذي يتراءى في بادئ النظر هو عدم جواز الشهادة؛ لما عرفت من تطابق الأدلّة الأربعة على عدم جواز الشهادة إلّا مع العلم القطعي بالمشهود به، و الاستصحاب كغيره من الأصول إنّما ينزّل موردها المشكوك فيه بمنزلة المعلوم، فيترتّب عليه جميع الآثار التي كانت تترتّب على المشكوك لو كان معلوما، و لا ينزّل نفس الشك بمنزلة العلم حتى يترتّب عليه آثار العلم.
و لا ريب أنّ جواز الشهادة بالشيء من آثار العلم بالشيء لا من آثار نفس ذلك الشيء حتى يلزم من إثباته بالاستصحاب ثبوت جواز الشهادة، نظير ذلك ما لو نذر زيد بأن يتصدّق كلّ يوم بدرهم ما دام متيقّنا بحياة ابنه فشك- بعد ذهابه إلى السفر- في حياته و موته، فحكم الشارع باستصحاب حياته لا يترتّب عليه وجوب التصدّق؛ لأنّ وجوب التصدّق كان في النذر معلّقا على اليقين بحياة زيد، لا على نفس الحياة.
نعم، لو نذر أن يتصدّق ما دام حيّا وجب التصدّق باستصحاب الحياة.
و هذا كلام جار في جميع الطرق الغير العلمية، و حاصله أنّ الأسباب الظاهرية إنّما تفيد واجدها وجوب العمل في مواردها كما لو كانت معلومة، و تجعل المشكوك كالمتيقّن، لا الشك كاليقين، فافهم و اغتنم.
و من هنا ظهر فساد ما ربما يتمسّك في إثبات جواز الشهادة الاستصحابية بالاستصحاب؛ لأنّ الشخص كان حين العلم تجوز له الشهادة و بعد زوال علمه نشكّ في الجواز و عدمه و الأصل بقاء الجواز.
وجه الفساد: أنّ جواز الشهادة مترتّب شرعا على العلم بتحقّق المشهود به فيزول بزواله، و ليس مترتّبا على نفس المشهود به حتى يبقى باستصحابه.