المحجة البيضاء - الفيض الكاشاني - الصفحة ٥٢
في كتاب آداب الصحبة و المعاشرة من ربع العادات.
قال بعض علمائنا [١]: و أمّا الجنازة فأحضر عند مشاهدتها و وضعها بين يديك ما قد خلّفته من الأهل و الأولاد و تركته من الأموال و قدمت على اللّه صفر اليد، لم يصحبها إلّا الأعمال الصالحة و ما تاجرته من أعمال الآخرة الرابحة و تأمّل بهجته كيف ذهبت و جلدته كيف تحوّلت، و عن قريب يمحو التراب صورته، و تزيل الأرض بهجته، و ما قد حصل له من يتم أولاده و ترمّل نسائه و تضيّع أمواله، و خلوّ مسجده و مجلسه و انقطاع آثاره، بعد طول أمله و كثرة حيله و انخداعه بمؤاتاة الأسباب، و غفلته عن الدخول في هذا التراب، و القدوم على ما سطر عليه في الكتاب، و ركونه إلى القوّة و الشباب، و اشتغاله عمّا بين يديه من الموت الذريع و الهلاك السريع، و كيف كان يتردّد و يشيّع غيره من الأموات، و الآن قد تهدّمت رجلاه و مفاصله و كيف كان ينطق و قد فسد لسانه، و كيف كان يضحك و قد تغيّرت أسنانه، و كيف كان يدبّر لنفسه ما لا يحتاج إليه إلى عشر سنين في وقت لم يكن بينه و بين الموت إلّا شهرا و أقلّ، و هو غافل عمّا يراد به حتّى جاءه الموت في وقت لم يحتسبه فقرع سمعه نداء الجبّار إمّا بالجنّة أو النار، و لينظر في نفسه أنّه الآن مثله في غفلته و سيكون عاقبته كعاقبته فلينهض حينئذ إلى الاستعداد و ليشتغل بإكثار الزاد، فإنّ المسافة بعيدة، و العقبة كئود، و الخطر شديد، و الندامة بعد الموت غير نافعة فهذا الفكر و أمثاله يحصّل قصر الأمل و الاستعداد بصالح العمل، و محلّه خارج الصلاة كما مرّ.
(الخامسة) الصلاة الّتي أوجبها المكلّف على نفسه بنذر أو يمين أو عهد
فإنّه يجب عليه الإيفاء بها حسبما شرطه كمًّا و كيفا و مكانا و زمانا ما لم يكن الشرط منافيا لحقيقة الصلاة و لو لم يكن له مزيّة ففي انعقاده قولان أصحّهما ذلك و في الإجزاء بالإتيان بها بدونه وجهان قال اللّه تعالى: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [٢]» و قال: «يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [٣]» و قال:
[١] يعنى الشهيد في أسرار الصلاة ص ٢٢٥.
[٢] المائدة: ٢.
[٣] الدهر: ٦.