الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٣
و قد أدرك ابن سينا الصلة الوثيقة بين البرهان و الحد (التعريف)، فلم يعتبر كتاب البرهان قاصرا على البرهان، بل اعتبره كتاب البرهان و الحد معا[١]. و ذلك لأنه جعل الغاية من الكتاب إفادة الطرق الموقعة للتصديق اليقينى و التصور الحقيقى: و الموقع للتصديق اليقينى هو البرهان، و الموقع للتصور الحقيقى- الذي هو إدراك ماهية الشىء- هو الحد. و هذه الصلة ظاهرة فى الفصول و أجزاء الفصول التي يقرن فيها ابن سينا- متبعا فى ذلك أرسطو- البرهان بالحد، و يبين أهمية الحدود فى الأقيسة البرهانية.
و قد كان الأولى- إذا روعى شرف الموضوع- أن يقدم كتاب البرهان على غيره من كتب المنطق الأخرى، إذ أن موضوعه أشرف الموضوعات- و هو الحق و اليقين- و لكنه وضع الخامس فى الترتيب لاعتبارات تعليمية، و للتدرج بالناشئ فى سلم المنطق من البسائط إلى المركبات:
من التصورات إلى التصديقات، و من القضايا إلى الأقيسة إطلاقا، و من الأقيسة إطلاقا إلى الأقيسة الخاصة التي منها البرهان. لذا تأخر كتاب البرهان فى الترتيب عن كتب المدخل و المقولات و العبارة و التحليلات الأولى، و كان تأخره أمرا طبيعيا لاعتبار التدرج التعليمى الآنف الذكر. أما تقدمه على كتاب الجدل، فمسألة لا يرى ابن سينا فيها وجها قويا يدافع عنه، بل على العكس يرى أن تأخر البرهان عن الجدل قد يكون أفضل من بعض الوجوه: إذ النظر فى الجدل توطئة نافعة للنظر فى البرهان، و إذ المادة الجدلية أعم من المادة البرهانية.
٢- مادة الكتاب و الصلة بينه و بين برهان أرسطو:
لهذه المسألة شقان يجب النظر فى كل منهما على حدة، لكى تتضح أمامنا الصلة بين كتاب البرهان الذي وضعه ابن سيناء و نظيره الأرسطي: الشق الأول هو مدى ما أفاده ابن سينا من المعلم الأول و إلى أى حد تابعه، أو حاذاه على حد قوله- و استمد مادته منه، و الثاني عن الطرق التي بها وصلته هذه المادة الأرسطية، فإنه مما لا شك فيه أنه لم يكن يعرف اللغة اليونانية، و لم ينقل عن المعلم الأول نقلا مباشرا، بل كان ذلك عن طريق ترجمة عربية ما لنص البرهان الأرسطي، و الشروح اليونانية التي وضعها الإسكندر الأفروديسى و يحيى النحوي. و كذلك عن شروح و تعليقات عربية كتلك التي وضعها الفارابى.
[١] راجع الفصل الأول من المقالة الأولى: آخر الفصل.