الشفاء المنطق (البرهان - الجدل) - ابن سينا - الصفحة ٢٢٢
لا تحتاج إلى عمل يعمل بها حتى تصير معقولة، و لا يمكن أن تكون محسوسة البتة. و أما محسوسات الذوات في الوجود فإن ذواتها في الوجود غير معقولة بل محسوسة، لكن العقل يجعلها بحيث تصير معقولة لأنه[١] يجرد حقيقتها عن لواحق المادة.
و نقول إنه إنما يكتسب تصور المعقولات بتوسط الحس على وجه واحد، و هو أن الحس يأخذ صور المحسوسات و يسلمها إلى القوة الخيالية فتصير تلك الصور موضوعات لفعل العقل النظري[٢] الذي لنا، فتكون هناك صور كثيرة مأخوذة من الناس المحسوسين، فيجدها العقل متخالفة[٣] بعوارض مثل ما تجد زيدا مختصا بلون و سحنة و هيئة أعضاء، و تجد عمرا مختصا بأخرى غير تلك. فيقبل على هذه العوارض فينزعها فيكون كأنه يقشر هذه العوارض منها[٤] و يطرحها من جانب[٥] حتى يتوصل إلى المعنى[٦] الذي يشترك فيه[٧] و لا يختلف به[٨]، فيحصلها و يتصورها. و أول ما يفتش عن الخلط الذي في الخيال فإنه يجد عوارض و ذاتيات، و من العوارض لازمة و غير لازمة، فيفرد معنى معنى من الكثرة المجتمعة في الخيال و يأخذها إلى ذاته.
و أما كيفية هذا الصنيع و مائية القوة الفاعلة لذلك، و القوة المعينة للفاعلة، فليس هذا الموضع موضع العلم به، بل هو من حق علم النفس. لكن الذي نقوله هاهنا فهو:
أن الحسن يؤدي إلى النفس أمورا مختلطة غير معقولة، و العقل يجعلها معقولة. فإذا أفردها العقل معقولة كان له أن يركبها أنحاء من التركيب، بعضها على التركيب الخاص بالقول المفهم لمعنى[٩] الشيء كالحد و الرسم، و بعضها بالتركيب الجازم.
بل نقول إن تصديق المعقولات يكتسب بالحس على وجوه أربعة[١٠]: أحدها بالعرض و الثاني بالقياس الجزئي و الثالث بالاستقراء [١٠٩ ا] و الرابع بالتجربة. أما الكائن بالعرض فهو أن يكتسب من الحس، بالوجه الذي قلنا، المعاني المفردة المعقولة مجردة عن الاختلاط[١١] الحسي
[١] س: لأن العقل.
[٢] م: الناظري.
[٣] في المخطوطات الثلاثة متحالفة بالحاء.
[٤] ب، م: عنه.
[٥] أي و يطرحها جانبا.
[٦] م: المعاني.
[٧] م: فيها.
[٨] س: ساقطة.
[٩] س: لعين.
[١٠] س: أربعة وجوه.
[١١] م: الأخلاط.