مصابيح الأحكام - السيد بحر العلوم - الصفحة ١٨٨ - ردّ الاستدلال بالأخبار
و قد ضعّفه الأكثر [١]؛ و لتصريح علماء الرجال بأنّ عبد اللّٰه بن مُسكان لم يرو عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) إلّا بالواسطة. و ربما قيل: إنّه كان يأبى أن يدخل عليه إجلالًا له و إعظاماً [٢]. و قيل: إنّه لم يرو عنه مشافهةً إلّا حديث: «من أدرك المشعر فقد أدرك الحجَّ» [٣]؛ و على هذا تكون الرواية مرسلة، فلا تصلح لمعارضة الأخبار الصحيحة.
و أمّا صحيحة ابن مسلم الواردة في المركن [٤]، فأقصى ما يستفاد منها هو عدم اشتراط الورود في إزالة النجاسة؛ كما استوجهه الشهيد (رحمه الله) في الذكرى [٥]، و قوّاه الفاضل صاحب المدارك [٦] و جماعةٌ من المتأخّرين [٧]. و مقتضى ذلك أنّ الماء ينجس بورود النجاسة عليه مع طهارة المحلّ المغسول به، و لا بُعد فيه إذا اقتضته الأدلّة الشرعية، و بناء الاحتجاج بها على فهم المنافاة بينهما، و هو ممنوع.
لا يقال: ورود النجاسة على الماء لو اقتضت تنجيسه لم يفد غسله فيه مرّة ثانية إلّا لاكتساب النجاسة منه، و أمّا على القول بالطهارة فلا محذور فيه، لصدق الامتثال و انتفاء المانع، أعني النجاسة.
لأنّا نقول: ذلك إنّما يتوجّه لو فُرض وحدة الماء المغسول به في الغسلتين أو تعدّده مع غسل المركن، و لا إشعار في الرواية بشيء من ذلك. فإن ثبت المنافاة بينه و بين القول بانفعال القليل وجب القول بتجديد الماء و غسل الإناء، و إلّا اتّجه القول بحصول الطهارة مطلقاً.
و أمّا صحيحة محمّد بن إسماعيل [٨]، فبعد الإغماض عمّا فيها من الإضمار، و جهالة المكتوب إليه، و احتمال عود الضمير في: «كتبت إليه»، يتوجّه عليه:
أوّلًا: أنّ التفصيل المستفاد منها لا قائل به؛ فإنّ مقتضى القول بالطهارة جواز الاستعمال مطلقاً و لو مع الاختيار، و مقتضى القول بالنجاسة عدم جوازه مطلقاً، و لو مع الاضطرار، و الأخبار من [٩] الطرفين تدلّ على الإطلاق.
و ثانياً: الحمل على ما إذا كان بقدر الكرّ، كما هو ظاهر السؤال.
و ثالثاً: القول بالموجب لطهارة [١٠] بدن الجنب الخالي عن النجاسة، و طهارة ماء الاستنجاء، و جواز التطهير به*، بناءً على طهارته، كما يُستفاد من الأخبار
*. جاء في حاشية «ل» و «د» و «ش»: «لكنّ المشهور أنّه لا يجوز التطهير من أحد الخبثين بالماء المستعمل و إن قلنا بطهارته، و نقل عليه في المعتبر [١١] و المنتهى [١٢] الإجماع». منه (قدس سره).
[١]. راجع: رجال النجاشي: ٣٢٨، الرقم ٨٨٨. و لمزيد الاطّلاع على الأقوال المختلفة حول محمّد بن سنان من المدح و القدح راجع: الفوائد الرجاليّة (رجال بحر العلوم) ٣: ٢٤٩- ٢٧٨. و اعلم أنّ رأى المؤلّف (قدس سره) نهائياً ورد في هذا الكتاب هكذا: «و استبان من الجميع أنّ الأصحّ توثيق محمّد بن سنان».
[٢]. اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ٢: ٦٨٠، الرقم ٧١٦، خلاصة الأقوال (رجال العلامة): ١٠٦.
[٣]. اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي) ٢: ٦٨٠، الرقم ٧١٦، وسائل الشيعة ١٤: ٤١، كتاب الحجّ، أبواب الوقوف بالمشعر، الباب ٢٣، الحديث ١٣.
[٤]. تقدّمت في الصفحة ١٥٧، الرقم ١٠.
[٥]. ذكرى الشيعة ١: ١٣١، فإنّه بعد استظهار اشتراط ورود الماء على النجاسة في غير الأواني ممّا لا يمكن فيه الورود، استوجه القول بعدم اشتراط الورود في إزالة النجاسة مطلقاً.
[٦]. اعلم أنّ رأيه في مدارك الأحكام مختلف؛ فإنّه استوجه القول باعتبار الورود في موضع (١: ٤٠) و نفى عنه البأس في آخر (١: ١٢٢)، و المستفاد من كلامه في موضع ثالث (٢: ٣٣٠) قريب ممّا استظهره المصنّف؛ لأنّه لم يصرّح فيه بأنّ القول بعدم اعتبار الورود هو الأقوى، و كيف كان المنسوب إليه رجحان القول بالورود.
[٧]. منهم: المحقّق الكركي في جامع المقاصد ١: ١٨٦، و الفاضل الأصفهاني في كشف اللثام ١: ٤٨٠.
[٨]. تقدّمت في الصفحة ١٥٧، الرقم ١١.
[٩]. في «ن»: عن.
[١٠]. في «ن»: بطهارة.
[١١]. المعتبر ١: ٨٣.
[١٢]. منتهى المطلب ١: ١٤٢.