مصابيح الأحكام - السيد بحر العلوم - الصفحة ١١٥ - ما يتوقّف عليه إثبات نجاسة القليل على وجه العموم
انتفائه، و ذلك لا يصحّ على القول بالطهارة؛ فإنّ مقتضاه نفي البأس مطلقاً.
و لا يتفاوت الحال في ذلك بين أن يُراد بالجريان ما يفهم منه ظاهراً، كما ذهب إليه الشيخ في كتابي الأخبار [١]، أو يجعل كناية عن الكثرة و الغلبة، كما ذهب إليه آخرون [٢].
و ليعلم أنّ المتبادر من البأس عرفاً هو الحظر و المنع؛ و قد نصّ أهل اللغة على أنّ معناه العذاب [٣]؛ فنفي البأس يقتضي نفي التحريم، و يجامع ما عداه من الأحكام.
و على هذا فلا يرد ما قيل [٤]: إنّ نفي البأس نفي للحرمة و الكراهة معاً، فثبوته يقتضي ثبوت أحدهما، فلا يتعيّن به ثبوت الحرمة؛ لأنّ العام لا يدلّ على الخاصّ.
و وجه الدفع ظاهر ممّا قررناه. و يؤيّده ما نُقل عن الشهيد [٥] أنّ المتبادر من لفظ «لا بأس» كلّما وردت في كلام الأئمة (عليهم السلام) هو الكراهة؛ مدّعياً ظهوره من التتبّع؛ و كذا ما قيل من أنّ نفي البأس يُشعر بثبوت نوعٍ ما من البأس [٦].
الرابع عشر: ما رواه ثقة الاسلام الكليني، في الصحيح، عن شهاب بن عبد ربّه، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)، في الرجل الجنب، يسهو فيغمس يده في الإناء قبل أن يغسلها:
«إنّه لا بأس إذا لم يكن أصاب يده شيء» [٧].
و وجه الاستدلال بهذه الرواية ظاهر ممّا تقدّم، لكن طريقها لا يخلو عن إشكال.
[١]. التهذيب ١: ٤٣٦/ ١٢٩٦، الزيادات في باب المياه، ذيل الحديث ١٥، و لم نعثر عليه في الاستبصار.
[٢]. كالعلّامة المجلسي في بحار الأنوار ٧٧: ١١- ١٢، كتاب الطهارة، حيث حمله على استيلاء الماء على النجاسة.
[٣]. الصحاح ٣: ٩٠٦، «بأس»، القاموس المحيط ٢: ١٩٩، «بأس».
[٤]. القائل هو المحقّق الخوانساري في مشارق الشموس: ٢١٢، السطر ٤.
[٥]. نقل عنه المجلسي في روضة المتقين ١: ٩٣.
[٦]. ذكر الشهيد الثاني في الرعاية: ٢٠٧، أنّ نفي البأس يوهم البأس، و ذكر البحراني في الحدائق الناضرة ٢٣: ٥٦٣، أنّه: «قيل إنّ نفي البأس لا يخلو من البأس».
[٧]. الكافي ٣: ١١، باب الرجل يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها ...، الحديث ٣، وسائل الشيعة ١: ١٥٢، كتاب الطهارة، أبواب الماء المطلق، الباب ٨، الحديث ٣.