تاريخ النجف الأشرف - عبد الزراق حرز الدين - الصفحة ٥٥٧ - حكاية القصّار مع الملك
القطامي، قال:
بعثني المنصور إلى بعض الملوك فكنت أحدّثه بحديث العرب و أنسابها فلا أراه يرتاح لذلك و لا يعجبه، قال: فقال لي رجل من أصحابه يا أبا المثنى أي شيء الغري في كلام العرب؟. قلت: الغري الحسن، و العرب تقول: هذا رجل غري، و إنّما سمّيا الغريّين لحسنهما في ذلك الزمان، و إنّما بني الغريّان اللذان في الكوفة على مثل غريّين بناهما صاحب مصر و جعل عليهما حرسا فكلّ من لم يصلّ لهما قتل إلاّ أنّه يخيّره خصلتين ليس فيهما النجاة من القتل و لا الملك و يعطيه ما يتمنّى في الحال ثمّ يقتله، فغبر بذلك دهرا، قال: فأقبل قصّار من أهل إفريقية و معه حمار له كذين، فمرّ بهما فلم يصلّ فأخذه الحرس، فقال: ما لي؟. فقالوا: لم تصلّ للغريين، فقال: لم أعلم، فذهبوا به إلى الملك فقالوا: هذا لم يصل للغريين، فقال له: ما منعك أن تصلّي لهما؟.
قال: لم أعلم و أنا رجل غريب من أهل إفريقية أحببت أن أكون في جوارك لأغسل ثيابك و ثياب خاصّتك و أصيب من كنفك خيرا، و لو علمت لصلّيت لهما ألف ركعة، فقال له: تمن، فقال: و ما أتمنّى؟فقال: لا تتمن الملك و لا أن تنجي نفسك من القتل و تمنّ ما شئت، و قال: فأدبر القصّار و أقبل و خضع و تضرع و أقام عذره لغربته فأبى أن يقبل، فقال إنّي أسألك عشرة آلاف درهم، فقال: عليّ بعشرة آلاف درهم، قال:
و بريدا، فأتى البريد فسلّم إليه، و قال: إذا أتيت إفريقية فسل عن منزل فلان القصّار فادفع هذه العشرة آلاف درهم إلى أهله، ثمّ قال له الملك: تمنّ الثانية، فقال: أضرب كلّ واحد منكم بهذا الكذين ثلاث ضربات واحدة شديدة و أخرى وسطى و أخرى دون ذلك، قال: فارتاب الملك و مكث طويلا، ثمّ قال لجلسائه: ما ترون؟. قالوا:
نرى أن لا تقطع سنّة سنّها آباؤك، قالوا: فبمن تبدأ؟قال: أبدأ بالملك ابن الملك الذي سنّ هذا، قال: فنزل عن سريره و رفع القصّار الكذين فضرب أصل قفاه فسقط على وجهه، فقال الملك: ليت شعري أيّ الضربات هذه، و اللّه لئن كانت الهيّنة ثمّ