تاريخ النجف الأشرف - عبد الزراق حرز الدين - الصفحة ٥٥٤ - بناء الغريّين و مقتل عبيد بن الأبرص
يخصف نعلا فوقف عليه و قد سبق أصحابه، فقال ممّن أنت يا شيخ؟. قال: من بكر ابن وائل، فقال: يا شيخ مالك ههنا؟. قال: طرد النعمان الرعاة فأخذوا يمينا و شمالا و وجدت و هدة خالية فنتجت الإبل و ولدت الغنم و سالت السمن، فقال: أو ما تخاف النعمان؟. قال: و ما أخاف منه، و اللّه لربّما لمست بيدي هذه ما بين سرّه أمّه و عانتها كأنّه أرنب جاثم، قال: أنت أيّها الشيخ، قال: نعم، قال: فهاج وجهه غضبا و طلعت أوائل خيله، فقالوا: حييت أبيت اللعن، قال: و حسر عن رأسه فإذا خرزات ملكه، فقال النعمان: أيّها الشيخ كيف قلت؟. قال: أبيت اللعن لا يهولنّك ذاك، و اللّه لقد علمت العرب أنّه ليس بين لابتيها أكذب منّي، فضحك النعمان ثم مضى. [١]
بناء الغريّين و مقتل عبيد بن الأبرص
كان المنذر بن ماء السماء قد نادمه رجلان من بني أسد أحدهما خالد بن المضلّل و الآخر عمرو بن مسعود بن كلدة، فأغضباه في بعض المنطق، فأمر بأن يحفر لكلّ واحد حفيرة بظهر الحيرة ثم يجعلا في تابوتين و يدفنا في الحفرتين، ففعل ذلك بهما حتى إذا أصبح سأل عنهما فأخبر بهلاكهما فندم على ذلك و غمّه.
و في عمرو بن مسعود و خالد بن المضلّل الأسديين يقول شاعر بني أسد:
يا قبر بين بيوت آل محرّق # جادت عليك رواعد و بروق
أمّا البكاء فقل عنك كثيرة # و لئن بكيت فللبكاء خليق
ثم ركب المنذر حتى نظر إليهما فأمر ببناء الغريّين عليهما فبنيا عليهما. و جعل لنفسه يومين في السنة يجلس فيهما عند الغريّين يسمّى أحدهما يوم نعيم و الآخر يوم بؤس، فأوّل من يطلع عليه يوم نعيمه يعطيه مئة من الإبل شوما أي سودا، و أوّل من يطلع عليه يوم بؤسه يعطيه رأس ظربان أسود، ثم يأمر به فيذبح و يغرى بدمه الغريّان، فلبث بذلك برهة من دهره يقتل في يوم البؤس.
[١] كتاب الأذكياء: ١/١١٥.