تاريخ النجف الأشرف - عبد الزراق حرز الدين - الصفحة ٥٣٨ - ملوك الحيرة
و ذكر أنّ أحد ولاة الكوفة كان يذمّ الحيرة أيام بني أميّة، فقال له رجل من أهلها و كان عاقلا ظريفا: أتعيب بلدة بها يضرب المثل في الجاهلية و الإسلام؟. قال: و بماذا تمدح؟. قال: بصحة هوائها و بطيب مائها و نزهة ظاهرها: تصلح للخفّ و الظلف، سهل و جبل، و بادية و بستان، و برّ و بحر، محلّ الملوك و مزارهم و مسكنهم و مثواهم.
و قد قدمتها أصلحك اللّه مخفّا فرجعت مثقلا، و وردتها مقلاّ فأصارتك مكثرا. قال:
فكيف نعرف ما وصفتها به من الفضل؟. قال: بأن تصير إليّ، ثمّ ادع ما شئت من لذائذ العيش فو اللّه لا أجوز بك الحيرة فيه!. قال: فاصنع لنا صنيعا، و اخرج من قولك.
قال: أفعل، فصنع لهم طعاما و أطعمهم من خبزها و سمكها، و ما صيد من وحشها من ظباء و نعام و أرانب و حبارى، و سقاهم ماءها في قلالها، و خمرها في آنيتها، و أجلسهم على رقمها، و كان يتّخذ بها من الفرش أشياء ظريفة. و لم يستخدم لهم حرّا و لا عبدا إلاّ من مولديها و مولداتها من خدم و وصائف و وصفاء كأنّهم اللؤلؤ، لغتهم لغة أهلها.
ثمّ غنّاهم حنين [١] و أصحابه في شعر عدي بن زيد شاعرهم و أعشى همدان، لم يتجاوزهما، و حيّاهم برياحينها، و نقّلهم على حمرها، و قد شربوا بفواكهها.
ثمّ قال له: هل رأيتني استعنت على شيء ممّا رأيت و أكلت و شربت و افترشت و شممت و سمعت بغير ما في الحيرة. قال: لا و اللّه و لقد أحسنت صفة بلدك، و نصرته فأحسنت نصرته و الخروج ممّا تضمنته، فبارك اللّه بكم في بلدكم. [٢]
ملوك الحيرة
اتّخذ ملوك العرب في الجاهلية الحيرة مسكنا لهم، و عاصمة لدولتهم. و كان تبّع أبو كرب قد سار في غزوته الثانية من اليمن، فلمّا أتى موضع الحيرة، خلف هناك مالك بن فهم بن غنم بن دوس على أثقاله، فمالك أوّل ملوك الحيرة و أبوهم. [٣]
[١] حنين بن بلوع الحيري الشاعر، تقدّمت ترجمته.
[٢] الأغاني: ٢/٣٤٥.
[٣] معجم ما استعجم: ٢/٤٧٩.