تاريخ النجف الأشرف - عبد الزراق حرز الدين - الصفحة ٣٥٢ - أقوال المؤرّخين و المحدّثين في تعيين قبره عليه السلام
٣-و قال أبو القاسم عبد اللّه بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي، المتوفى سنة ٣١٧ ه [١] :
إنّ عليّا عليه السّلام لمّا قتل قصد بنوه أن يخفوا قبره خوفا من بني أميّة أن يحدثوا في قبره حدثا، فأوهموا الناس في موضع قبره تلك الليلة-و هي ليلة دفنه-إيهامات مختلفة، فشدّوا على جمل تابوتا موثقا بالحبال، يفوح منه روائح الكافور، و أخرجوه من الكوفة في سواد الليل صحبه ثقاتهم، يوهمون أنّهم يحملونه إلى المدينة فيدفنونه عند فاطمة عليهما السّلام، و أخرجوا بغلا و عليه جنازة مغطّاة، يوهمون أنّهم يدفنونه بالحيرة، و حفروا حفائر عدّة، منها بالمسجد، و منها برحبة القصر، قصر الإمارة، و منها في حجرة من دور آل جعدة بن هبيرة المخزومي، و منها في أصل دار عبد اللّه بن يزيد القسري بحذاء باب الورّاقين ممّا يلي قبلة المسجد، و منها في الكناسة، و منها في الثويّة، فعمى على الناس موضع قبره، و لم يعلم دفنه على الحقيقة إلاّ بنوه و الخواص المخلصون من أصحابه، فإنّهم خرجوا به عليه السّلام وقت السحر في الليلة الحادية و العشرين من شهر رمضان، فدفنوه على النجف، بالموضع المعروف بالغري، بوصاة منه عليه السّلام إليهم في ذلك، و عهد كان عهد به إليهم، و عمى موضع قبره على الناس، و اختلفت الأراجيف في صبيحة ذلك اليوم اختلافا شديدا، و افترقت الأقوال في موضع قبره الشريف و تشعّبت، و ادّعى قوم أنّ جماعة من طيء وقعوا على جمل في تلك الليلة، و قد أضلّه أصحابه ببلادهم، و عليه صندوق، فظنّوا فيه مالا، فلمّا رأوا ما فيه خافوا أن يطلبوا به، فدفنوا الصندوق بما فيه، و نحروا البعير و أكلوه، و شاع ذلك في بني أميّة و شيعتهم، و اعتقدوه حقّا، فقال الوليد بن عقبة بن أبي معيط من أبيات يذكره عليه السّلام فيها:
فإن يك قد ضلّ البعير بحمله # فما كان مهديّا و لا كان هاديا
و شعره هذا يقصد فيه الردّ على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حيث قال: "إن تولّوها عليّا، تجدوه هاديا مهديا". [٢]
[١] أبو القاسم عبد اللّه بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي، كان رأس طائفة من المعتزلة يقال لهم الكعبية، و هو صاحب مقالات، و كان من كبار المتكلمين، و له اختيارات في علم الكلام. (وفيات الأعيان: ٣/٤٥)
[٢] شرح نهج البلاغة: ٤/٨٠.